وفاء في حضرة الغياب… خنيفرة تستعيد ذاكرة الإعلامي الراحل الحسين برحو.

0 239

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

 

فلاش 24 – محمد المالكي خنيفرة.

في أمسية إنسانية عميقة، احتضنت قاعة الاجتماعات بجماعة خنيفرة، مساء السبت 14 فبراير 2026، حفلاً تأبينياً مهيباً وفاءً لمسار رجلٍ بصم مجالات متعددة بهدوء الكبار، واستطاع أن يجمع بين الإعلام والعمل الجمعوي والرياضي والثقافي والدبلوماسي، واضعاً خدمة الصالح العام فوق كل اعتبار.
المبادرة، التي وقفت وراءها جمعية نادي إسمون نعاري للرياضات الجبلية والتنمية ومؤسسة روح أجدير الأطلس، عرفت حضور إعلاميين وباحثين وفنانين وفاعلين رياضيين، إلى جانب أصدقاء الراحل وأفراد عائلته، في لحظة امتزج فيها التأثر بالفخر، والحنين بالنقد، والاعتراف بإحساس التقصير.
لم يكن اللقاء مجرد طقس للوداع، بل محطة للتفكير الجماعي في معنى الاعتراف، وفي سؤال الذاكرة الثقافية والإعلامية: لماذا نحتفي بالكفاءات بعد رحيلها أكثر مما نحتضنها وهي حيّة؟
الشهادات التي تعاقبت على المنصة رسمت صورة فاعلٍ متعدد الأبعاد. إعلامي حمل الكلمة باعتبارها مسؤولية أخلاقية، ومناضل آمن بأن ترسيم اللغة الأمازيغية في الدستور خطوة لا تكتمل إلا بورش طويل النفس في التربية والإعلام والسياسات الثقافية، ومدنيّ رأى في الرياضة الجبلية مدخلاً لبناء الإنسان، وفي الجبل هويةً كما هو تنمية.
لم يكن انحيازه هوياتياً ضيقاً، بل دفاعاً عن التعدد بوصفه جوهر الشخصية الوطنية، لذلك اشتغل بصمت، بعيداً عن الأضواء، مؤمناً بأن القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعات، بل بعمق الأثر.
حين استعاد المتدخلون محطات من تجربته، لم تكن كلمات حنين فقط، بل مساءلة غير مباشرة لواقعٍ يُقصي الفاعلين الجادين في حياتهم، ثم يعود للاحتفاء بهم بعد رحيلهم.
كان السؤال حاضراً في الخلفية: لماذا يتقدم السطح ويتراجع العمق؟ ولماذا تتحول القامات إلى ذاكرة مؤجلة بدل أن تكون طاقة حاضرة؟
لقد أعاد الحفل إلى الواجهة نموذج الإعلامي الذي يشتغل في الظل، ويعتبر الرسالة قبل الشهرة، والمبدأ قبل الامتياز.
من خلال ما رُوي عنه، بدا الراحل مدافعاً عن الثقافة الأمازيغية بمنطق الممارسة اليومية، لا بالشعارات. انخرط في مبادرات تنموية ورياضية بمنطقة خنيفرة والأطلس المتوسط، رابطاً بين المجال الطبيعي وبناء الإنسان، ومعتبراً الفعل الجمعوي امتداداً طبيعياً لمهمته الإعلامية.
كما حمل صورة المغرب المتعدد في محطات ثقافية ودبلوماسية، دون أن يسعى إلى مكسب شخصي، مفضلاً العمل الهادئ على منطق الاستعراض.
وأمام هذا السخاء في الكلمات، استحضر عدد من الحاضرين المعنى المؤلم لفكرة الاعتراف حين يأتي متأخراً. فالتأبين، في أحد وجوهه، إعلان ضمني عن فشلنا في إنصاف الكفاءات وهي حية، قادرة على المزيد من العطاء.
إن أخطر ما كشفته الأمسية ليس الفقد في حد ذاته، بل هشاشة الذاكرة. فالذاكرة ليست شريطاً وثائقياً ولا خطابات مؤثرة، بل عمل مؤسساتي قوامه التوثيق والأرشفة وإدماج التجارب في الوعي الجماعي.
بهذا المعنى، تحوّل الحفل من لحظة رثاء إلى دعوة صريحة لمراجعة علاقتنا بالمبدعين والفاعلين المحليين، وإلى التفكير في كيفية تحويل المبادرات الفردية إلى مشاريع مستدامة.
رحل الرجل، لكن الأسئلة التي أعاد طرحها ستبقى مفتوحة:
كيف نصنع الاستمرارية؟ وكيف نكرم الأحياء قبل أن نصطف في وداعهم؟
في خنيفرة، تلك الليلة، لم يكن الغياب نهاية الحكاية… بل بدايتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.