هروب الأدمغة المغربية نزيف صامت يطرق أبواب القرار
مصطفى تويرتو
في الوقت الذي يراهن فيه المغرب على الرأسمال البشري كمدخل أساسي للتنمية يتواصل نزيف الكفاءات نحو الخارج في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام. دكاترة، مهندسون،أطباء وباحثون يغادرون الوطن بحثا عن أفق أوسع فيتحول الاستثمار العمومي في التعليم والتكوين إلى رافعة لاقتصادات أخرى.
الظاهرة لم تعد معزولة أو فردية بل أضحت اتجاها متناميا تغذيه عوامل متعددة محدودية مناصب الشغل ذات القيمة المضافة ضعف التحفيزات المادية، هشاشة، بيئة البحث العلمي وتعقيدات إدارية تعرقل المبادرة والابتكار. أمام هذه المعادلة يجد الشاب المغربي نفسه بين خيارين الانتظار في طابور طويل من الوعود أو اقتناص فرصة خارج الحدود حيث تقاس الكفاءة بالإنجاز لا بالوساطة.
غير أن المفارقة تبرز كلما احتاج الوطن أبناءه في التظاهرات القارية والدولية وخاصة الاستحقاقات الرياضية التي تنظم تحت إشراف الاتحاد الإفريقي لكرة القدم ،أثبتت الكفاءات المغربية قدرتها على التنظيم المحكم والاحترافية العالية. مهندسون أشرفوا على البنية التحتية، أطر شبابية أدارت العمليات اللوجستية ،وخبرات وطنية قدمت صورة مشرقة عن بلد قادر على الإنجاز حين تتوفر الثقة.
هذا التناقض بين العطاء الوطني اللامحدود وضيق الأفق المهني الداخلي يضع الحكومة أمام مسؤولية تاريخية. فالقضية لا تتعلق فقط بالأجور بل بكرامة الكفاءة. الاعتراف التحفيز الشفافية في التوظيف وربط الجامعة بسوق الشغل كلها مفاتيح لوقف النزيف.
الدول المتقدمة لا تنتظر هجرة العقول صدفة بل تضع سياسات واضحة للاستقطاب وتوفر بيئة علمية محفزة. فهل يملك المغرب الجرأة لوضع سياسة مضادة تقوم على الاحتضان بدل التبرير؟ على الإصلاح بدل الخطاب؟
هروب الأدمغة ليس خيانة بل مؤشر خلل. والوطن القوي ليس الذي يمنع أبناءه من السفر بل الذي يجعلهم يختارون البقاء لأنهم يجدون فيه تقديرا لمجهودهم ومسارا واضحا لطموحهم.