الماء في فرنسا تحت الضغط.. الجفاف يكشف أعطاب منظومة التدبير٩
بقلم/ سيداتي بيدا
لم تعد فرنسا تواجه مجرد موجة جفاف عابرة، بل تقف أمام أزمة مائية تكشف وجهاً أكثر قسوة
حين تتراجع الأمطار، تسقط الأقنعة، وتظهر هشاشة منظومة يفترض أنها من الأكثر قدرة على الاستعداد والأكثر صرامة في إدارة الأزمات.
الماء الذي كان يُنظر إليه لعقود باعتباره مورداً مضموناً، بدأ يتحول إلى مصدر قلق يومي في مناطق متضررة من شح الموارد. وحين تصل الأمور إلى الاستعانة بشاحنات الصهاريج لتأمين حاجات السكان الأساسية، فإن المسألة تتجاوز حدود المناخ لتلامس صميم مسؤولية الدولة وقدرتها على حماية مورد لا يمكن تعويضه.
الأخطر أن الجفاف ليس وحده من يستنزف خزانات فرنسا. فشبكات مائية متقادمة وتسربات متواصلة تعني أن جزءاً من الثروة المائية يضيع قبل أن يصل إلى المستهلك.
وهنا تصبح المفارقة صارخة كيف يُطلب من المواطن أن يقتصد في كل قطرة، بينما تستمر منظومة التوزيع في فقدان كميات من المياه بسبب أعطاب كان يمكن الحد منها بالصيانة والاستثمار؟
لا يمكن الاختباء طويلاً خلف شماعة التغير المناخي.
نعم، المناخ يفرض تحديات متزايدة، لكن الاستعداد لها قرار سياسي وإداري. والجفاف قد يكون طبيعياً، أما العجز عن الاستجابة له فمسؤولية بشرية قابلة للمساءلة والتقييم والمحاسبة.
لقد آن الأوان لرفع ملف المياه من رفوف الإدارة إلى صدارة الأمن الوطني. المطلوب ليس بيانات تحذيرية متكررة ولا دعوات موسمية إلى ترشيد الاستهلاك، بل تعبئة شاملة تعيد بناء شبكات التوزيع، وتكافح التسرب، وتطور مصادر المياه، وتفرض حكامة صارمة على الاستعمالات الأكثر استنزافاً.
فالماء ليس مجرد رقم في تقارير الوزارات، ولا بنداً تقنياً في ميزانيات الجماعات المحلية.
إنه شريان المدن والقرى والزراعة والصناعة، وأي خلل طويل الأمد فيه قادر على ضرب الاقتصاد وإشعال التوترات الاجتماعية وفرض كلفة باهظة على الدولة والمواطن معاً.
والأخطر أن أزمة المياه لا تبدأ عندما تجف الصنابير تماماً؛ إنها تبدأ عندما يصبح الإنذار اعتيادياً، والتسرب أمراً مألوفاً، والصهريج حلاً دائماً، والتأخر في الإصلاح سياسة غير معلنة.
فرنسا أمام اختبار لا يحتمل المراوغة
إما أن تتعامل مع الماء باعتباره ثروة استراتيجية تستحق الاستثمار والحماية قبل فوات الأوان، أو أن تستيقظ ذات صباح أمام أزمة لم تعد تنفع معها الخطب ولا خطط الطوارئ.
العطش لا ينتظر البيروقراطية، والموارد لا ترحم سوء التدبير. ومن يستهين بقنبلة الماء الموقوتة قد يكتشف متأخراً أن الكارثة لم تكن في السماء وحدها، بل في طريقة إدارة ما تحتها.