ازرو.. الانتخابات على الأبواب والحياد الإداري تحت المجهر ”من طلب الدواء إلى سؤال تكافؤ الفرص”

0 1

ازرو – ابوسعد

 مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية تدخل مدينة ازرو مرحلة انتخابية دقيقة، تصبح فيها حدود العلاقة بين الإدارة والسياسة أكثر حساسية من أي وقت مضى. فالسلطة المحلية مطالبة بخدمة المواطن وتطبيق القانون وحماية النظام العام، لكنها مطالبة في المقابل، بالابتعاد عن كل ما قد يفهم منه ميل أو تفضيل أو تدخل في المنافسة الانتخابية.

وفي هذا السياق، تفرض بعض الوقائع المتداولة محليا، من بينها واقعة طلب دواء لفائدة مواطن، إعادة طرح سؤال جوهري لا يتعلق بحق المواطن في المساعدة، وإنما بالطريقة والسياق والجهة التي تتحرك من خلالها مثل هذه الملفات. فالمساعدة الاجتماعية تظل عملا مشروعا ومحمودا، لكن عندما تتقاطع مع فاعلين سياسيين أو مرشحين، يصبح من المشروع التساؤل عن الحدود الفاصلة بين الخدمة العمومية والحياد الانتخابي.

إنها ليست دعوة إلى الاتهام أو التشكيك، بقدر ما هي دعوة إلى الوضوح؛ لأن الإدارة في مرحلة الانتخابات لا يكفيها أن تكون محايدة بل ينبغي أن يكون حيادها واضحا وملموسا وقابلا للملاحظة من طرف الجميع.

والحياد الإداري ليس مجرد شعار، بل هو التزام دستوري وقانوني، فالفصل 11 من دستور المملكة يؤكد أن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، وأن السلطات العمومية ملزمة بالحياد التام إزاء المترشحين وعدم التمييز بينهم. كما يكرس الفصلان 154 و155 مبادئ المساواة في ولوج المرافق العمومية والشفافية والحياد والنزاهة والمصلحة العامة.

ومن هنا، فإن واقعة طلب الدواء لا تطرح إشكالا بسبب طبيعة الحاجة الإنسانية في حد ذاتها، وإنما بسبب السياق الذي قد يحيط بها. فإذا كان المواطن يستفيد من خدمة أو مساعدة تدخل في صميم اختصاص الإدارة، فمن حقه أن يحصل عليها باعتبارها حقا، لا باعتبارها معروفا يمكن أن يرتبط باسم سياسي أو مرشح. كما أن من حق باقي المواطنين والمتنافسين أن يطمئنوا إلى أن الإدارة لا تتحول، ولو من حيث الصورة أو الانطباع، إلى قناة انتخابية غير مباشرة.

وفي السياق الانتخابي يزداد الأمر حساسية، خاصة أن القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب يتضمن مقتضيات تمنع تسخير وسائل وأدوات الهيئات العامة والجماعات الترابية في الحملات الانتخابية، وتجرم بعض صور التأثير غير المشروع على إرادة الناخبين واستغلال الوسائل العمومية لأغراض انتخابية.

وقد أكد جلالة الملك محمد السادس في خطبه وتوجيهاته المتعاقبة على أهمية نزاهة الانتخابات وشفافيتها، وعلى ضرورة توفير شروط المنافسة الحرة والمتكافئة، وربط ممارسة السلطة بخدمة المواطن واحترام القانون. كما تم، بمناسبة الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات ولجان إقليمية للسهر على سلامة العملية الانتخابية.

وهذا يعني أن الإدارة مطالبة اليوم بأن تكون أكثر حرصاً على حماية حيادها، ليس فقط من الانحياز الفعلي، وإنما أيضا من كل سلوك يمكن أن يخلق انطباعاً لدى المواطن بوجود انحياز.

فالسلطة المحلية ليست حزبا، ورجل السلطة ليس مرشحا، والمرفق العمومي ليس وسيلة انتخابية. والمواطن يجب أن يدخل إلى الإدارة كمواطن، لا كصوت انتخابي محتمل، وأن يحصل على الخدمة وفق القانون والمساطر نفسها، بعيداً عن أي اعتبار سياسي.

ومن هنا، فإن السؤال المطروح في ازرو ليس اتهاما مسبقا لأي مسؤول أو مرشح، وإنما سؤال مشروع تفرضه حساسية المرحلة:

هل تقف السلطة المحلية على المسافة نفسها من جميع المتنافسين؟

 وهل يحصل المواطن على الخدمة نفسها، بالمسطرة نفسها، أيا كان انتماؤه أو اختياره السياسي؟

الجواب لن يكون بالتصريحات وإنما بالممارسة. فالانتخابات النزيهة لا تبدأ يوم الاقتراع، وإنما تبدأ منذ اللحظة التي يشعر فيها المواطن بأن الإدارة تقف فوق المنافسة، وأن أبوابها مفتوحة للجميع، وأن لا أحد يحصل على أفضلية بسبب قربه من دوائر السلطة.

أزرو لا تحتاج إلى إدارة تميل إلى هذا الطرف أو ذاك، بل إلى إدارة تقف فوق الجميع، وتحمي الجميع، وتضمن للجميع شروطا متكافئة للمنافسة.

فحين تحافظ الإدارة على حيادها، فإنها تحمي نفسها وتحمي الانتخابات. وحين تهتز المسافة بين الإدارة والسياسة، فإن المتضرر في النهاية ليس طرفا سياسيا بعينه، وإنما ثقة المواطن في المؤسسة وفي العملية الديمقراطية برمتها.

ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية تقتضي اليوم تدخلا يقظا وحازما من السلطات الإقليمية، ليس من منطلق الاتهام أو الاصطفاف، وإنما حماية لهيبة الإدارة وصونا لسلامة العملية الانتخابية. والمطلوب هو وضع حد لكل ممارسة أو سلوك من شأنه أن يخلق شبهة استغلال النفوذ الإداري أو يوحي بتوظيف المرفق العمومي في خدمة أي طرف انتخابي.

إن التدخل الوقائي اليوم ليس تضييقا على العمل الإداري، بل حماية له، وليس استهدافا لأي مرشح، بل ضمان لتكافؤ الفرص بين الجميع. فالمطلوب أن تبقى الإدارة إدارة، والسياسة سياسة، والانتخابات منافسة حرة بين البرامج والكفاءات، بعيدا عن أي توظيف للنفوذ أو الوسائل العمومية.

فمدينة ازرو، وهي تستعد لاستحقاق انتخابي جديد، تستحق أن تدخل هذه المحطة بثقة واطمئنان، في ظل إدارة محايدة، وسلطة تقف فوق المنافسة، ومؤسسات لا تسمح لأي ممارسة من شأنها إفساد العملية الانتخابية أو إقحام الإدارة في حساباتها.

فالحياد ليس خيارا إداريا، وإنما واجب دستوري وقانوني، وحمايته مسؤولية مشتركة تبدأ من الإدارة وتنتهي بثقة المواطن في نزاهة الانتخابات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.