برامج الأحزاب الانتخابية والوضع الاجتماعي: وعود للمتقاعدين أم التزام بحقوقهم؟

من

0 1

بقلم: محمد العربي القباج

أعادت الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 القضايا الاجتماعية إلى صدارة النقاش العمومي، بعدما أصبحت القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة والصحة والتقاعد والحماية الاجتماعية من أكثر الملفات ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين.ومن بين الفئات التي تستحق قراءة خاصة في البرامج الانتخابية، نجد المتقاعدين وكبار السن، وهم مواطنون أفنوا سنوات من حياتهم في العمل والإنتاج وخدمة الوطن، ليجد عدد منهم أنفسهم اليوم أمام معاشات محدودة، وارتفاع مستمر في تكاليف العلاج والأدوية، وتراجع القدرة الشرائية، فضلاً عن الحاجة إلى خدمات اجتماعية وصحية تراعي متطلبات الشيخوخة.
وتكشف قراءة برامج الأحزاب أن ملف المتقاعد أصبح أكثر حضوراً من السابق ضمن خطاب الدولة الاجتماعية. غير أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بما تضمنته البرامج من وعود، بل بمدى قابليتها للتنفيذ، ومصادر تمويلها، والجدول الزمني لتحقيقها.
حزب الأصالة والمعاصرة اقترح، ضمن ميثاق القدرة الشرائية، ألا يقل أي معاش عن 3000 درهم شهرياً ابتداءً من السنة الثانية من الولاية الحكومية، إضافة إلى رفع معاش الأرملة إلى 100% من معاش المتوفى، وفق ما أورده برنامجه.
أما حزب الاستقلال، فقد ربط تحسين القدرة الشرائية بالرفع التدريجي للأجور والمعاشات، مع إصلاح منظومة وصناديق التقاعد وضمان استدامتها، والتركيز على أصحاب المعاشات المحدودة. ويطرح هذا التصور معادلة مزدوجة: تحسين دخل المتقاعد، وفي الوقت نفسه الحفاظ على التوازن المالي للأنظمة.
أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقد اقترح رفع الحد الأدنى للمعاشات بنسبة 25%، وتقليص الفوارق بين المعاشات، مع السعي إلى ألا يقل دخل المتقاعد عن الحد الأدنى للأجر. كما اقترح «بطاقة الوفاء» لفائدة المتقاعدين والمسنين للاستفادة من خدمات صحية وثقافية وترفيهية.
وهذا التصور يوسع النقاش من مجرد قيمة المعاش إلى حق كبار السن في المشاركة الاجتماعية والاستفادة من الخدمات التي تحفظ لهم الكرامة وتحد من العزلة والتهميش.
أما حزب التقدم والاشتراكية، فقد دعا إلى إصلاح شامل لمنظومة التقاعد، واقترح تنظيم مناظرة وطنية حول التقاعد خلال الأشهر الستة الأولى من الولاية الحكومية، بهدف الوصول إلى إصلاح توافقي ومستدام. كما طرح الرفع التدريجي للمعاشات إلى مستوى الحد الأدنى للأجر على الأقل، وتوسيع قاعدة المستفيدين، والبحث عن موارد جديدة لتمويل أنظمة التقاعد.
أما تحالف فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، فقد طرح ضمن برنامج «الكرامة أولاً» زيادة في معاشات المتقاعدين قدرها 2000 درهم شهرياً، مع حد أدنى للمعاش في حدود 3000 درهم، وربط تطور المعاشات بالتضخم، إضافة إلى إلغاء الضريبة المفروضة عليها وفق ما أعلن عنه التحالف.
وبالنسبة إلى الحركة الشعبية، فقد ربطت حماية المتقاعد بالإنصاف الاجتماعي والقدرة الشرائية، ضمن رؤية اجتماعية أوسع تشمل الأسرة والخدمات والفضاءات الثقافية والاجتماعية.
أما التجمع الوطني للأحرار، فقد تضمن برنامجه إجراءات لتحسين القدرة الشرائية والدخل، مع مواصلة تحسين معاشات التقاعد وضمان استدامة أنظمته، إلى جانب إجراءات مرتبطة بالدعم والحماية الاجتماعية.
رغم اختلاف المقترحات والأرقام، فإنها تلتقي في الاعتراف بأن وضعية المتقاعد تحتاج إلى معالجة. لكن هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
هل تكفي زيادة المعاش إذا استمرت الأسعار في الارتفاع؟ وهل يستطيع متقاعد بمعاش محدود أن يعيش بكرامة إذا كان جزء كبير من دخله يذهب إلى الدواء والعلاج والسكن والنقل؟ وهل يمكن الحديث عن دولة اجتماعية متماسكة إذا بقي بعض كبار السن في مواجهة المرض والعزلة والهشاشة دون خدمات اجتماعية متخصصة؟
إن قضية كبار السن ليست قضية معاش فقط. إنها قضية صحة وكرامة وحماية اجتماعية ومشاركة ومواطنة. فالمتقاعد يحتاج إلى مستشفى قريب، ودواء في متناول قدرته المالية، وتغطية صحية فعالة، ونقل مناسب، وفضاءات للثقافة والترفيه، وحماية للأشخاص الذين يعيشون في وضعية هشاشة أو بمفردهم.
الحديث عن رفع المعاشات يظل إيجابياً من الناحية الاجتماعية، لكن أي زيادة دائمة تحتاج إلى موارد مالية دائمة.
ولهذا فإن البرامج الانتخابية مطالبة بأن تجيب بوضوح عن أسئلة لا تقل أهمية عن قيمة الزيادة نفسها: ما مصادر التمويل؟ ما الجدول الزمني للتنفيذ؟ من هم المستفيدون؟ وكيف سيتم الحفاظ على استدامة صناديق التقاعد؟
فإصلاح التقاعد لا ينبغي أن يكون مجرد محاولة لتقليص العجز المالي للصناديق، كما لا ينبغي أن يتحول رفع المعاشات إلى وعد غير مدعوم بموارد مستدامة.
المطلوب هو تحقيق توازن بين حقوق المتقاعدين اليوم، والعدالة بين الأجيال، واستدامة أنظمة التقاعد غداً.
يمكن تسجيل تطور مهم في انتخابات 2026، يتمثل في أن المتقاعدين وكبار السن أصبحوا أكثر حضوراً في الخطاب الانتخابي، من خلال مقترحات تتعلق بالمعاشات، والحد الأدنى للدخل، ومعاشات الأرامل، والصحة والحماية الاجتماعية وإصلاح التقاعد.
لكن المتقاعد لا يعيش بالوعود. فما يهمه بعد الانتخابات هو أن يرى أثر البرنامج في حياته اليومية: معاشاً أفضل، قدرة شرائية أقوى، علاجاً أقل كلفة، دواءً متاحاً، وخدمات اجتماعية تحفظ كرامته.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة المتابعة والمساءلة. فالأحزاب التي قدمت وعوداً للمتقاعدين مطالبة بتحويلها إلى سياسات وتشريعات وإجراءات واضحة، والحكومة المقبلة مطالبة بتقديم حصيلة قابلة للقياس، وليس الاكتفاء بالشعارات.
لقد حان الوقت للنظر إلى المتقاعد وكبير السن باعتباره صاحب حق ومواطنًا كامل الحقوق، وليس مجرد فئة اجتماعية تستحضرها الأحزاب خلال الحملات الانتخابية ثم تتراجع مكانتها بعد انتهاء الاقتراع.
إن المتقاعد هو جزء من ذاكرة المجتمع، ونتيجة مباشرة لمسار طويل من العمل والمساهمة في بناء الاقتصاد والإدارة والمرافق العمومية. ولذلك فإن تكريم المتقاعد لا يكون بالكلمات والمناسبات، وإنما بسياسة اجتماعية تضمن له العيش الكريم. والاختبار الحقيقي للبرامج الانتخابية لن يكون في عدد الوعود ولا في حجم الأرقام، وإنما في قدرتها على الانتقال من الورق إلى الواقع.
فالمتقاعد لا يريد صدقة، ولا يبحث عن امتياز استثنائي؛ إنه يطالب بحقه في حياة كريمة بعد سنوات من العطاء. ولهذا فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً بعد الانتخابات ليس: ماذا وعدت الأحزاب المتقاعدين؟ وإنما، ماذا ستنفذ؟ ومتى؟ ومن سيحاسبها إذا لم تلتزم؟ وهنا تحديداً تبدأ مسؤولية السياسة، وتنتهي مرحلة الوعود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.