حين تصبح زلة لسان قضية.. وحين يصبح الصراع السياسي مجرد تفاصيل في السياسة، ليست كل كلمة معركة، وليست كل زلة مشروع أزمة
م. خ
ما جرى اليوم حول تصريح نزار بركة بشأن موقف حزب الأصالة والمعاصرة من مشاركة التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة، يستحق أن يوضع في سياقه الطبيعي، بعيداً عن المبالغة في التأويل أو تحويل خطأ في نقل معلومة إلى مواجهة سياسية مفتوحة.
نعم، بركة أخطأ عندما نقل معطى لم يكن دقيقاً، وإن كان في الخبر نوعا من الحقيقة، لكن الأهم أنه عاد إلى توضيحه وصححه وقدم اعتذاره بعدما اتضح له أن المعلومة التي وصلته لا تعكس حقيقة مخرجات اجتماع «البام».
وهنا يبرز سؤال أكبر من التصريح نفسه: هل أصبح الاعتذار والتصحيح في السياسة دليلاً على الخطأ فقط، أم يمكن أن يكونا أيضاً دليلاً على احترام الرأي العام والقدرة على مراجعة الموقف؟
المفارقة أن المشهد السياسي المغربي عرف، خلال الفترة نفسها، سجالات وتصريحات متبادلة بين أحزاب وشخصيات سياسية، وصلت أحياناً إلى مستويات مرتفعة من التوتر، قبل أن تعود الأطراف نفسها إلى طاولة المشاورات عندما تغيرت شروط المرحلة.
وهذا ليس تناقضاً بالضرورة؛ فالسياسة بطبيعتها تعرف الخصومة كما تعرف التفاوض، وتعرف الاختلاف كما تعرف التحالف. وما يبدو اليوم مواجهة حادة قد يتحول غداً إلى جلسة تفاوض حول المصالح والبرامج وتركيبة الأغلبية.
لذلك، فإن التعامل مع واقعة نزار بركة بمعزل عن هذا السياق قد يعطي الانطباع بأن المشكلة في شخص أو تصريح، بينما المسألة الأوسع تتعلق بمعايير التعاطي مع الخطاب السياسي نفسه.

إذا كان نقل معلومة غير دقيقة يستحق النقد، فهذا أمر طبيعي. لكن النقد يصبح أكثر اتزاناً عندما يخضع الجميع للميزان نفسه: التصريحات القوية، الاتهامات المتبادلة، الخصومات الانتخابية، ثم المصالحات والتفاهمات اللاحقة.
وفي نهاية المطاف، لم تستمر معلومة بركة بعد ظهور الحقيقة؛ بل جرى تصحيحها والاعتذار عنها. أما المشاورات السياسية، فقد واصلت طريقها، بعدما فوض «البام» قيادته لمواصلة التفاوض بشأن الأغلبية الحكومية المقبلة.
السياسة لا تقاس فقط بما يقال في لحظة الانفعال، وإنما أيضاً بما يحدث بعد انكشاف الحقيقة.
ولهذا، ربما يكون الدرس الأهم من واقعة اليوم ليس: من أخطأ؟، وإنما: هل نستطيع أن ننتقد الخطأ من دون أن نحوله إلى معركة، وأن نمارس السياسة بالميزان نفسه على الجميع؟
فالإنصاف في السياسة لا يعني تبرير الخطأ، كما أن النقد لا يعني تحويل كل زلة إلى قضية وطنية.