عاشوراء : بين لهب الذكرى وصمت العقل .

0 1

– تقرير ……فاطمة الزهراء امكاشتو .

يأتي عاشوراء كل عام محملا بذاكرة شعب فيقسم القلوب قسمين قلب يراه عرسا للبيت والطفل والجار وقلب يراه فرصة لالتقاط ما تساقط من الخرافة فاليوم الواحد يكفي ليظهر ما في النفوس
ينفتح اليوم بضوء خافت فيتنفس المغاربة نسقا قديما متجددا تتعطر البيوت بالعود وتغسل الأمهات وجوه الصغار بماء سبعة آبار، لا تعبدا للماء بل استبشارا بعام يبدأ بصفحة بيضاء وتتحرك الأيادي في المطبخ بمهارة موروثة، فتدق حبات “السفوف” باللوز، وتطهى قدور “الكسكس بالقديد” الذي حفظته الأسرة أمانة منذ أضحى وقبل أن ترفع الملعقة تمد اليد بالصدقة، لأن بركة اليوم تبدأ من كسر جوع لا من ملء بطن
وكان للأطفال شأن عظيم في هذا المشهد يلبسون الجديد، وتتحنى الأكف، ويخرج الصبية بـ “بوجلود” جلد الكبش يطرقون الأبواب فينالون الحلوى والضحك. وكانوا قديما يشعلون “شعالة” عاشوراء : نارا هادئة في وسط الساحة يلتف حولها الجيران ويقفز الصغار فوقها قفزات قصيرة وهم ينشدون وكأنهم يعلنون أن الظلام ولى، وأن العام الجديد قد أقبل كانت نارا تجمع، لا تحرق ضوءا يؤنس، لا يروع
لكن الزمن لا يترك البراءة على حالها فمع تبدل الأحوال، انطفأت “الشعالة” واشتعل مكانها صخب آخر دخلت “المفرقعات” الأزقة فصار الطفل يحمل في جيبه خطرا لا يفهمه تحولت الساحات إلى ميادين ضجيج وتطايرت “الطراطيق” و”البطاطا” في الهواء فأصيبت الأيادي واحترقت الوجوه وذهبت أبصار، وانفتحت أبواب المستعجلات على أنين الأمهات وهكذا تحولت فرحة من جيل إلى جرح في جيل
وهنا وقفت الدولة وقفة الأب الحكيم لم تمنع عاشوراء بل منعت ما يفسد عاشوراء صدر المنع واشتدت المراقبة في الأسواق والحدود وانتشرت حملات التوعية فعادت الأحياء إلى أصلها : صوت نشيد لا صوت انفجار وضحكة طفل لا صرخة ألم لأن حفظ النفس مقدم على كل مظهر
وفي قلب كل هذا يظل الأصل ثابتا لا يتبدل صيام تاسوعاء وعاشوراء تذكرا لنجاة موسى عليه السلام، واتباعا لسنة من قال : أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله فاليوم إذن محطة مراجعة لحظة يغسل فيها المؤمن قلبه ويجدد عهده ويطعم جاره قبل أن يطعم نفسه
إلا أن للناس في كل نور ظلا ففي الليلة ذاتها يخرج من الظل من يبيع الوهم يشيع أن أبواب الغيب مفتوحة وأن الإبرة المدفونة والعقدة المربوطة والماء المرشوش تملك سرا لا يرد فيمضي البعض إلى الكهنة يدفعون المال ويشترون وهما بثمن دينهم وينسون أن النفع والضر بيد الله وأن من صدق عرافا فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فينقلب اليوم الذي كان يمكن أن يكون سجدة إلى سنة ضائعة
وهكذا يظهر الفرق الدقيق فالتبرك بماء الآبار بنية حسنة والفرح المباح، وإطعام الطعام كلها عادات لا تخرج عن الملة ما دام القلب معلقا بالله وأما الذبح لغيره، وطلب المدد من الموتى وشراء الطلاسم، فهو انزلاق من النور إلى العتمة
عاشوراء إذن ليست يوما واحدا بل هي اختبار من دخلها بنية سليمة، خرج منها وقد ازداد قربا: رأى جدته، وسمع ضحكة الطفل، وشعر بدفء بيت مجتمع. ومن دخلها بنية مريضة، خرج وقد ازداد بعدا: رأى شرارة وخاف شبحا وخسر مالا وعقيدة
فاجعل عاشوراءك أمانا لا أذى وبركة لا بدعة أطفئ في بيتك نارا تؤذي وأشعل فيه نار ذكر لا تنطفئ وارفع يديك بالدعاء فهو السلاح الذي لا يخيب ، والبركة التي لا تبور.
هنيئا لمن أحياها يقظة وخسر من أحياها غفلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.