**** من وهج الكلمة .. إلى زمن الاستباحة!

0 10

سفيان امجدادي

منذ نحو ثمانية وعشرين عاما، ولجت قطاع الصحافة والإعلام من بوابة رجال سبقونا سنا وتجربة، أمثال الأستاذ محمد عبيد، والأستاذ محمد الزين، والأستاذ محمد الدريهم، والصديق العزيز محمد الخولاني، وغيرهم ممن نهلنا من معين تجربتهم، واستفدنا من دروسهم في المهنة والحياة. وحين أستعيد تلك البدايات، لا أستحضر أسماء فحسب، بل أستحضر زمنا كان للكلمة فيه وزن، وللمهنة حرمة، وللصحافة شغفها النبيل. ولا يمكن أن أنسى من غيبهم الموت، وفي مقدمتهم الأستاذ الحسان مصحو والأخ العزيز سليمان العبدي، رحمهما الله. سليمان الذي كان له فضل خاص في أن أكتشف سنة 2009 جوانب أخرى من هذا المجال، وأن يتنامى لدي شغف بإعداد الـPodcast، من روبورتاجات وتقارير صحفية.

كانت تلك مرحلة وادعة من عمر النشاط الإعلامي بإقليم إفران، مرحلة كان فيها للقلم حضوره، وللمراسلة معناها، وللصحافة رسالتها. عشناها عبر منابر إعلامية متعددة، ومن خلال المراسلات، وعبر النادي الإقليمي للصحافة والإعلام، فكانت تجربة راكمت الذكريات والخبرة، وخلفت في النفس أثرا لا تمحوه السنوات.

ثم تبدل المشهد مع بروز الصحافة الرقمية والإلكترونية والانتشار الكاسح لمواقع التواصل الاجتماعي سنة 2011، فتغيرت الوجوه والأدوات، واتسع مجال التعبير والنشر. ولا عيب في التكنولوجيا، فهي أداة تقنية محايدة، غير أن المعضلة تبدأ حين يتراجع التكوين، ويغيب الحس المهني، وتختزل الصحافة في سرعة النشر وكثرة المشاهدات وملاحقة “التراندات”. عندها يصبح الهاتف حاضرا بقوة، ولا تنقطع البثوث المباشرة، بينما يتوارى القلم، ويخفت الفكر، ويزاح الضمير المهني لصالح منطق السبق والانتشار.

والصحافة، في جوهرها لا يمكن اختزالها في صورة تلتقط ولا بثا مباشرا يفتح، وإنما هي بحث وتحقق وتدقيق ومسؤولية. فليس كل من امتلك هاتفا ذكيا صحفيا أو إعلاميا أو مراسلا، ولا كل ما ينتشر خبرا، ولا كل من أنشأ صفحة صار إعلاميا. وأصبحت المعلومة تختلط بالرأي، والسبق بالتسرع، والنقد بالتشهير، حتى صار المجال الاعلامي مهدد في جوهره قبل أدواته.

الأخطر أننا نعيش اليوم مرحلة بدأت فيها بعض هذه الممارسات تكتسب نوعا من التطبيع المؤسساتي، حيث أصبحت تجد من يرعاها أو يفسح لها المجال أو يسهم في ترسيخها. وهنا لا تعود المسألة أخطاء فردية فقط، بل تتحول إلى نمط من السلوك الذي يعيد تشكيل الوعي، ويمأسس للرداءة، ويمنحها مشروعية مجتمعية.

ولذلك أصبح الوضع في تقديري، أقرب إلى مرض مجتمعي لا يكفي لعلاجه دواء، ولا إجراءات شكلية، وإنما يحتاج إلى شجاعة مؤسساتية، وإرادة إصلاحية حقيقية، وإلى إعادة الاعتبار للقيم والمسؤولية والضمير المهني والإنساني. فالمجتمعات المتحضرة المتأنسنة لا تنهض بالقوانين والتشريعات وحدها، وإنما بأشخاص ومؤسسات يمتلكون شجاعة تسمية الأشياء بمسمياتها، ووقف مسار الانحدار قبل أن يتحول إلى واقع مألوف.

ولعل ما جرى ويجري في قطاع الصحافة والإعلام بإقليم إفران يقدم نموذجا دالا لهذه الحالة، وعبرة لمن أراد أن يعتبر، فاستعادة هيبة الصحافة والاعلام لا تبدأ بكثرة المنابر ولا بأرقام المشاهدات، وإنما باستعادة المعنى .. معنى أن تكون صحفيا أو إعلاميا، وأن تعرف أن للكلمة أثرا مجتمعيا، وللخبر مسؤولية، وللضمير سلطة لا ينبغي أن تسقط.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.