فوضى المعلومة وسقوط الأقنعة إشاعة “3500 درهم” تحت مجهر الحقيقة
بقلم/ سيداتي بيدا
في مشهد رقمي يعجّ بالضجيج، لم تعد الإشاعة مجرد خبر عابر، بل تحوّلت إلى أداة تضليل قادرة على اختراق الوعي الجماعي، وإرباك ثقة المجتمع في مؤسساته. وما راج مؤخراً بشأن رفع تكاليف توثيق عقد النكاح بالمغرب إلى 3500 درهم، ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل العبث بالمعلومة، حيث يُستبدل التحقق بالتهور، وتُقدَّم الإثارة على حساب الحقيقة.
لقد انتشرت هذه المزاعم بسرعة لافتة، مستفيدة من هشاشة التمحيص وسهولة النشر، لتتحول في أعين البعض إلى واقع مسلم به، دون سند قانوني أو تأكيد رسمي. وهنا تتجلى المفارقة الصادمة: كلما كان الخبر أكثر إثارة، زادت قابليته للتصديق، حتى وإن كان عارياً من أي أساس.
غير أن الحقيقة، بطبيعتها الصلبة، لا تخضع لمنطق الانتشار، بل تستند إلى الوقائع. وقد جاء التوضيح المهني الصريح ليضع حداً لهذا الانزلاق، مؤكداً أن الرسوم القانونية لتوثيق عقود الزواج لم يطرأ عليها أي تغيير، وأن المساطر المؤطرة لهذا المجال محكومة بضوابط دقيقة، لا تقبل الارتجال ولا تسمح بالزيادات الاعتباطية.
لكن، هل يكفي تكذيب الإشاعة لاحتواء أثرها؟ الواقع يشي بغير ذلك. فالأثر النفسي والاجتماعي الذي تخلّفه مثل هذه الأخبار الزائفة يتجاوز لحظة انتشارها، إذ يزرع الشك، ويغذي فقدان الثقة، ويكرّس صورة مشوشة عن منظومة قانونية يفترض فيها الوضوح والاستقرار.
إننا أمام أزمة وعي بقدر ما نحن أمام أزمة معلومة. فالمشكل لا يكمن فقط في من يختلق الخبر، بل أيضاً في من يروّجه دون مساءلة، وفي من يستهلكه دون تفكير. وهنا يصبح الصمت عن هذا السلوك نوعاً من التواطؤ غير المباشر، ويغدو التصدي له واجباً أخلاقياً لا يقل أهمية عن إنتاج المعلومة الصحيحة.
إن الرهان اليوم لم يعد تقنياً بقدر ما هو قيمي: كيف نعيد الاعتبار للحقيقة في زمن تتكاثر فيه الأكاذيب؟ وكيف نحصّن الفضاء الرقمي من هذا الانفلات الذي يهدد مصداقيته؟ الجواب يبدأ من الفرد، من وعيه، من قدرته على التمييز بين ما يُقال وما يُثبت، بين ما يُنشر وما يُعتمد.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد أن الكلمة لم تعد بريئة، وأن إعادة نشر خبر كاذب ليست فعلاً محايداً، بل مشاركة في تضليل جماعي قد تكون له كلفة مجتمعية باهظة. فإما أن نكون جزءاً من الحل، أو نستمر في تغذية المشكلة.
في النهاية، تسقط الإشاعات، مهما علا صخبها، أمام صلابة الحقيقة. لكن الخطر الحقيقي يكمن في الأثر الذي تتركه قبل سقوطها. لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد الإشاعة، بل ضد القابلية لتصديقها. وهي معركة لا تُحسم إلا بوعي يقظ، وعقل لا يُخدع بسهولة.