عيد الأضحى في القباب…. حين تلتقي شعائر السماء بملامح الأرض*

0 433

القباب إقليم خنيفرة – فاطمة الزهراء امكاشتو_

مع تباشير فجر العاشر من ذي الحجة تستيقظ بلدة القباب على وقع تكبيرات تخرق سكون الجبال وتعلن ميلاد يوم عظيم: يوم النحر عيد الأضحى المبارك يوم ليس كالأيام، فيه تستعاد قصة الفداء وتجدد عهود الانتماء، وتعاد صياغة العلاقة بين الإنسان وربه وبين الإنسان وأخيه الإنسان
منذ ساعات الصباح الأولى تتحرك الشوارع الضيقة للبلدة بحركة غير معتادة الرجال يرتدون جلابيبهم النظيفة وعمائمهم البيضاء والأطفال يسبقون الكبار بثيابهم الجديدة وعيونهم تلمع فرحا الوجهة واحدة: المصلى الموجود في ساحة البلدة (ساحة المسيرة)…واخر في السوق قرب ايسغذن، حيث يجتمع الناس من كل أحيائها القريبة للمصلى.،لأداء صلاة العيد
ومع اقتراب وقت الصلاة حتى تمتلئ الساحة عن آخرها. صفوف متراصة تمتد إلى الطرقات المحيطة وجوه خاشعة وأيد مرفوعة بالتكبير: “الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد”. المشهد هنا ليس مجرد تجمع ديني بل هو لوحة حية للهوية الجماعية. وفي هذه اللحظة تذوب الفوارق ويصبح أبناء القباب جسدا واحدا يقف بين يدي الله مستذكرين معنى الأخوة التي أسس لها الإسلام.
ينتهي الإمام من الخطبة وتبدأ التهنئة بالعناق والابتسامات: “عيد مبارك سعيد”، “تقبل الله منا ومنكم” كلمات بسيطة لكنها تحمل ثقل سنة كاملة من المودة والصلة. ثم يتفرق الجمع كل إلى بيته حيث تنتظره سنة إبراهيم عليه السلام: الأضحية،
وفي البيوت تعود الحركة من جديد الأضاحي معقولة في الأفنية والسكاكين تسن، والرجال يتهيؤون لتنفيذ الشعيرة.وهذا الذبح هنا ليس مجرد فعل بل هو طقس متوارث الأب يعلم ابنه، والجار يساعد جاره، واللحوم تقسم على الفور إلى ثلاثة أثلاث: ثلث للأهل وثلث للأقارب والجيران وثلث للفقراء والمحتاجين هذا التقسيم ليس قانونا مكتوبا بل هو سنة وعرف راسخ يجسد معنى التكافل الذي تشبعت به البلدة منذ القدم
ومع اشتداد حرارة الضحى يتصاعد دخان الشواء من كل زاوية. رائحة “المشوي” و”البولفاف” تملأ الأزقة وتدعو الصغار والكبار للالتفاف حول (المجمر) والمائدة في هذا اليوم بسيطة لكنها غنية: لحم طازج، خبز بلدي، شاي بالنعناع وحديث لا ينقطع عن الذكريات الأمهات يجهزن الأطباق والشباب يتولون الشواء والجد يحكي للأحفاد قصة سيدنا إبراهيم وإسماعيل فيربط الماضي بالحاضر ويغرس في نفوسهم معنى التسليم والطاعة والبذل…
وما يميز عيد الأضحى في القباب هو هذا التداخل العميق بين الشعيرة والدفء الاجتماعي فالعيد ليس استهلاكا للحوم فقط بل هو إعادة إنتاج للروابط الاجتماعية. فالزيارات تبدأ بعد صلاة الظهر والبيوت تفتح على مصاريعها والضيف لا يسأل من أين أتى بل يكرم لأنه أتى وحتى من غاب بجسده في المدن البعيدة يكون حاضرا في المكالمات والرسائل، وفي الأطباق التي ترسل إليه من لحم الأضحية
هكذا يمر اليوم بين تكبيرة في الفجر، وسجدة في المصلى وسكين تنحر بها الأضحية ونار تشوى عليها القلوب قبل اللحوم يوم واحد لكنه يكفي ليعيد شحن ذاكرة البلدة ويذكر أهلها من هم وإلى أين ينتمون وما الذي يجمعهم رغم تباعد السبل
في القباب، فعيد الأضحى ليس مناسبة تمر وتنتهي إنه تجديد للعهد مع الله وتأكيد على أن هذه الأرض بجبالها وناسها وعاداتها، لا تزال تحتفظ بروحها وتحتفل بهويتها بكل بساطة وصدق
وكل عام وأنتم بخير وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.