العطش في تاونات… مشهد يومي يلخص معاناة صامتة في الهامش المنسي 

0 1٬328

عادل عزيزي

رغم كثرة الوعود والمخططات، ما زال سكان العديد من دواوير إقليم تاونات يرزحون تحت وطأة أزمة عطش خانقة، تتكرر كل صيف وتشتد مع تفاقم موجات الجفاف.

في مشهد بات مألوفًا، تمتد طوابير طويلة من القنينات البلاستيكية على جنبات الطرق، في انتظار قطرة ماء. صورة تُلخّص معاناة يومية يعيشها السكان وسط تجاهل رسمي، وبنيات تحتية مهترئة.

مئات القنينات… ووجوه غائبة

في جماعة الورتزاغ، كما في بوهودة، عين مديونة، تيسة، عين لكداح، اجبابرة، الحاج امحمد، المكانسة، الغوازي، سيدي المخفي، تمزكانة، طهر السوق و غيرها..، أصبحت الطوابير البلاستيكية بديلاً عن البشر، حيث تترك الأسر قنيناتها منذ الفجر أمام عيون الماء القليلة أو الصنابير العمومية.

أرقام صادمة تكشف عمق الأزمة

حين ننظر إلى الخارطة المائية للإقليم، نكتشف مشهداً يحسد عليه، على الورق على الأقل: سد الوحدة، ثاني أكبر سد في إفريقيا، بطاقة تخزينية تتجاوز 3.8 مليار متر مكعب، وسد إدريس الأول الذي يفوق حجمه 1.2 مليار متر مكعب، وسد بوهودة بطاقة تبلغ حوالي 90 مليون متر مكعب، وسد أسفالو بنحو 70 مليون متر مكعب، ثم سد السهلة بسعة تصل إلى نحو 43 مليون متر مكعب. هذه السدود الخمسة الجاثمة على تراب الإقليم تمثل شبكة مائية هائلة، يُفترض أن تجعل تاونات إحدى أغنى مناطق المغرب من حيث وفرة الماء. أما السدين الجديدين، سد بنعبو بجماعة عين معطوف، وسد واد أولي بجماعة الرتبة، فهما في طور الإنجاز ويُنتظر أن يزيدا من الغلاف التخزيني المائي بمئات الملايين من الأمتار المكعبة.

لكن هذا الرصيد الهائل من المياه لم يمنع القرى والتجمعات السكانية بتاونات من الاصطفاف يومياً أمام الصهاريج المتنقلة، أو التسول من العيون الموسمية التي تنضب مع أول موجة حر  النساء يقطعن الكيلومترات بحثاً عن جرعة ماء، الأطفال يحملون القنينات البلاستيكية الفارغة، والشيوخ يترقبون مرور صهريج قد لا يأتي.

إنه مشهد يومي مأساوي، ينتمي إلى زمن الحصار والقحط، وليس إلى القرن الحادي والعشرين.

مشاريع معلّقة ووعود مؤجلة

المفارقة العجيبة أن الدولة استثمرت مليارات الدراهم في مد قنوات تحت الأرض، تشق التراب التاوناتي كالأوردة اليابسة، لكنها معطلة عن التشغيل، محروسة بسلاسل من البيروقراطية والتقاعس والتلاعبات.

مشاريع الربط بالماء الصالح للشرب تحولت إلى مقاولات للتباهي في المناسبات الرسمية، أو واجهات للفساد والسمسرة.

فلا أثر لتلك القنوات في البيوت، ولا ماء في الصنابير، ولا جواب من الجهات المعنية غير عبارات التسويف والتبرير العقيم. وكأن تاونات ليست سوى مزرعة خلفية تُسلب منها المياه لتغذية أحزمة المدن الكبرى، دون أن تُمنح أدنى شروط الحياة الكريمة.

الماء مرآة العدالة المجالية

إن ما يجري ليس فقط فشلاً في التدبير، بل هو تجسيد لعلاقة غير متكافئة بين المركز والهامش، بين الرباط وتاونات، بين العاصمة التي تستهلك وتصدر الخطابات، والقرية التي تنتج وتدفع الثمن.

هو نموذج مصغر لعلاقة استعمار داخلي، حيث يُحول إقليم تاونات إلى خزان مائي  وغذائي، بينما يُترك سكانه تحت رحمة العزلة والجفاف والقهر التنموي.

ومن العبث الحديث عن تنمية و عدالة مجالية في غياب الماء، وعن كرامة في ظل العطش، وعن وطن يتسع للجميع بينما يموت جزء منه عطشاً على ضفاف أكبر سدوده.

و أخيرا تاونات لا تحتاج إلى دراسات ولا إلى لجان تفتيش، بل إلى قرار سياسي حازم يُنصف الإنسان قبل الحجر، يُحرر الماء من قبضة المصالح، ويضع الساكنة في صلب الأولويات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.