بوناصر المصطفى
في الزمن الذي سارعت الثورة المعلوماتية الخطى بوثيرة ملفتة مدعومة بقفزة تكنولوجية عارمة متجاوزة حدود النمط الفكري السائد، شهدت الصناعة الثقافية انحدارا حادا وتراجعا معيبا في سلطة المعرفة، هذا الواقع يفرض على كل باحث أن يعيش القلق لإيجاد تفسير لهذا المسار العاق من خلال أسئلة محورية: هل هذا مرده إلى انحراف الديمقراطية عن سياقها الحقيقي؟ أم هو انبطاح وعجز أمام عاصفة السطحية والتفاهة؟ أو ربما نتاج سلوك اندحاري للمثقف بالتواطؤ والتهاون لحل المعادلة؟
الإجابة ليست بالبساطة المتوقعة لكون المشهد مركب تتداخل فيه عوامل تقنية، اقتصادية، اجتماعية وثقافية وهذا يستدعي منا تقييم ومراجعة خطواتنا بعقلية الفريق برؤى فكرية لبعث قيمة المعرفة بانفراد المثقف العضوي في بلورة ثقافة القيم، لذا الأولى الالحاح على تنزيل سياسات ترعى عنصر الجودة في المنتوج الثقافي حتى نعيد الاعتبار للعمق الفكري في كل إجراءاتنا وتدابيرنا.
مارس التطور التقني والتكنولوجي هيمنة شاملة على دواليب الثورة المعلوماتية خلقت حالة من الازدواجية الغير معلنة في طريقة التفكير، من جهة كان لها دور في توسيع الدائرة المعرفية لذى شرائح واسعة من للتعلم والمشاركة في صنع القرار، إلا أنها طوقت عنصر الجودة و وهمشت المهارة النقدية من جهة أخرى، لتتحول معه تلك الغزارة إلى ضجيج وطوفان معلوماتي جله إما مشكوك في صدقيته أو افكار مضللة، من هنا تسرب منطق السوق بشكل خافت ليغزو قطاع الثقافة، تفننت عروض تلك التوجهات التي تلمع المنتوج المنحط الفاقد للقيمة الفكرية، وتغلب الترفيه الساذج على المحتوى العقلاني الجاد.
شجع هذا الوضع ابتكار خوارزميات تفرز على منوال الفقر الفكري وطغيان منتوج استهلاكي سريع التحضير فاقد لأي رؤية أو منهج.
حين تغيب المأسسة والحوار المسؤول تتفاقم الازمة وتنحرف الديمقراطية عن مسارها، بعد أن تجمد الياتها التمثيلية إذ لم تعد للمطالب الثقافية والفكرية أي متسع في اجنداتها مادامت القفزة النوعية نحو الديمقراطية التشاركية لم يتم استيعابها خصوصا بعد إقحام متعمد لفئة متسلطة، عينة من الرعاع ِممَن أُطلق عليهم بالطبقة المسؤولة ليتعاظم تكريس الفراغ وتضيع سلطة المعرفة.
في طغيان كلي لهذا المحتوى السطحي تداعى انتشار التفاهة كظاهرة اجتماعية تمخضت عن غياب التكوين وسيطرة ذوق المتعة الفورية، تجند له كل من الاعلام الرسمي والاعلام البديل، فتم استغلال هذه الهفوة البشرية،
قوبلت هذه الوضعية باستهجان أوساط مثقفة بالتنديد والشجب، لكنه لم تكن لق قوة الردع لمقاومة هذه الأعراض الغريبة عن هذا الفضاء في حين اختار بعض المثقفين مواجهة هذه التحديات بالانسحاب في صمت، ربما لعدم القدرة على مقاومة قوى تيار طوفان التفاهة والرداءة او لافتقادهم مهارات هذا التحول التقني قد يعتبره البعض تخاذلا أو اندحارا ربما تكيفا مع مرحلة سوقية مبتذلة.
فهل من سبيل لاستعادة سلطة المعرفة وجودة الثقافة؟
لم توازي هذه الثورة المعلوماتية بالحكامة المطلوبة بتطوير سياسات لمنصات رقمية وتعميق البحث عن رؤية استراتيجية عبر تقوية النقاش والدراسات السوسيولوجية تمهيدا لمرحلة تشجع على التنوع والمحتوى الهادف بتعزيز الفكر النقدي وتحفيز الاعلام الملتزم بقضايا مجتمعه من خلال حلقات حوار في منصات تدعم المشروعات الثقافية وتشجع المثقفين على الانخراط في حماية معايير الجودة على حساب الكم والفوضى.
من الاجحاف أن نتهم الثورة المعلوماتية كمسؤول وحيد عن هذه الازمة، والتي اتجهت في منحى تراجعي نحو درجة الصفر، بل ساهمت بقوة مكنت بشكل مزدوج من خلق فرص حقيقية للتعلم والتفاعل مع القضايا الإنسانية، لكن في الوقت نفسه استهدفت إضعاف وتهميش معايير الجودة في المحتوى والمهارات النقدية.
أكيد أن الإرادة في معالجة هذا الخلل رهين بالرغبة في:
ـ إدخال مناهج تعليمية تتوفر فيها الحنكة في تعزيز مهارات الصناعة الثقافية والتفكير النقدي في المدارس والجامعات.
ـ نهج الحكامة في تمويل المشروعات الثقافية عوض بعض المهرجانات والافلام الهابطة بدعم مستحق ومستدام لمنصات إعلامية مستقلة هادفة.
ـ تحفيز المحتوى الجاد بتشجيع المنصات الرقمية على تعديل خوارزمياتها بتقديم عروض وحوافز لشراكات مع مؤسسات ثقافية.
ـ رفع وعي الجمهور بحملات توعية عامة بشأن الإعلام المضلل وكيفية التحقق من المصادر.
#ضرورة المطالبة ببرامج تعزز الصناعة الثقافية لفرملة طوفان المعرفة السطحية؟
# الإقرار والالتزام بقناعة المعرفة ليست ترفاً بل ركيزة للديمقراطية الحقيقية؟