بوناصر المصطفى
اعتدنا ودون تردد أن نرتبط شغف المعرفة بأقل التكاليف بخيار العبور على اكشاك بائعي الكتب المستعملة باب دكالة، لكن أول ما يشد انباهك مشاهد غريبة لسلسلة محلات مقفلة على الدوام، إما يئس مالكوها من وعود تأجلت كثيرا لإعادة هيكلة وتوطين القطاع، بالموازاة تبدو قلة قليلة تتخلل هذه المجموعة شلة معدودة لا كشاك اختارت على الدوام مقاومة الضغوطات المادية بالرغم من قلة الاعقبال على القراءة، وإكراهات معنوية لسلوكيات شاذة من بعض المحلات يدبرها غرباء عن القطاع استفادوا بطرق ملتوية، وهذا ملف يتطلب منا الاستقصاء حول ظروفه ووضعه تحت المجهر لكشف فضائح تتوالد بشكل متواتر بحيث أن هذا الفيروس لم تستثن أي قطاع.
مجال خدمة الكتاب وعملية تشجيع القراءة مهمة تفرض على ممارسيها معايير الكفاءة و فن التواصل وقدرة هائلة على توجيه القارئ، بالإضافة الى توفره على قيم ثقافية أخلاقية فطرية لن تجدها إلا من وهبه الله هذه المنة ، تسويق الكتاب ليس بتلك الطرق التجارية المحضة، بل منتوجا ثقافيا وشحنة معرفية تكتسب بالفعل وبقوة الزمن، إلا أن بعض من دخلوا دائرة المنتسبين تطفلوا على هذه المهنة فلتجأوا لأساليب غريبة تدعو للقلق على آفاق ما هو ثقافي بل تهدد بنفاذ تلك الأرصدة المعرفية وانقراض ذلك التراث المادي واللامادي دون شك سوف تكون له انعكاسات وازنة على الدهنية والذوق للجيل القادم.
هل الوزارة الوصية تتقاسم معنا نفس الهم والقلق؟
وهل ستستمر في نهج الأذان الصماء؟
أي استراتيجية محتملة لتشجيع الفعل القرائي وتأمين هذه الحرفة من الدخلاء والمتطفلين؟
إن توجيه هذا اللوم للوزارة هو من باب وصايتها على القطاع والتزامها في برامجها برؤية هادفة فعالة وحكامة تدبيرية في هيكلة وتنظيم القطاع، إلا أن غياب التام دون مراقبة مظاهر تسيء للمنظر العام لمدينة تعتبر السياحة موردها الأساسي لكونها المؤهل قانونيا أن تقود إطارا تشريعيا وتنظيميا، وتوفر دعما مؤسساتيا وبرامج تأهيلية وشراكات لتعزيز مهنية بائعي وتسفير الكتب والرقي بالفضاءات الثقافية في مستوى حداثي مؤهل يليق بحماية الكتاب من التردي كي لا يصنف في خانة بضاعة يحكمها العرض والطلب إلا أن الاختيار الأذكى هو الجمع بين الحسنيين تنظيم صارم وحملات ثقافية تربوية لتغيير الممارسات ومراقبة صارمة لتعزيز احترام الكتاب كحِرفة ومنتوج معرفي عوض ترك الحبل على الغارم دون رصد وصد مظاهر البداوة والتي تشوه مظهر مدينة يعتز زوارها بجمالها العفوي.
فهل الوزارة الوصية قد تتدخل لإعادة الاعتبار للكتبي وحرفة الترويج للمعرفة؟
، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن تكون وحدها ملزمة بنجاح هذا المشروع التراثي الثقافي الوطني ، بل المجتمع المدني والمنظمات الشريكة لها مسؤولية في هذا التردي ،إذ ليس من المسؤولية في شيء أن نرهن بعض القطاعات التي لن تتوقف الانعكاسات السلبية عند المدى المتوسط أو البعيد بل تتعداه لتربية أجيال عديدة فيسكن الفراغ أذهانهم، من هذا المنطق يبقى على الوزارة الوصية الوزر الأكبر لتصحيح الوضع، بالتدخل العاجل لتنزيل تدابير إجرائية حتى ولو اقتضى الأمر مراجعة التشريعات واللوائح التنظيمية الخاصة بشروط العرض لبائعي الكتب عموما، ذلك لضمان تأكيد على شروط مهنية تحترم الذوق وفرض معايير ميسرة غير مكلفة للعرض والتواصل، هذا على أن تلتزم المجالس البلدية والمديريات بمراقبة المخالفين ومعاقبة الممارسات المخلة بالتهيئة الجمالية في احتلال الملك العام أو كل ما يمس صورة الفضاءات الثقافية، على اعتبار أن المدينة الحمراء سياحية بامتياز التزم مسؤولوها برهان التألق كلما احتضنت أكبر التظاهرات العالمية.
من العار والإسفاف أن نشير في جل نقاشاتنا إلى أهمية البحث العلمي أو الكتاب كبنية ثقافية ومنفعة عامة في أوساط شعب يحمل أمة إقرء، لذا التأكيد على حمايته فرض عين من أي سلوكيات غريبة تحوله إلى مجرد سلعة وتجارة رخيصة نتيجة تغاضي واضح من الوزارة الوصية عن واجبها، على الأقل بالتقدير الواجب لجهود المؤلفين والناشرين، وكذا تقديم أدني تحفيز يمكن أن يلهم القراء من طلبة وباحثين بقصد إسهامهم في التنمية والرقي المجتمعي.
حقيقة إن علمية تعزيز ودعم مهنية حرفة التسفير وبائعي الكتب المستعملة لا تحتاج إلى مبالغ ضخمة، بل فقط إلى إرادة سياسية لتنزيل برامج تأهيل هذه المحلات وأصحاب المكتبات المتنقلة حول أخلاقيات مرتبطة بالمهنة وطرق عرض جذابة ، قد يفيد الاعتماد على شراكات مع المجتمع المحلي القطاعي والقطاع الخاص بشروط ملزمة، بهدف الإبداع في خلق مشاريع ثقافية تروج للفعل القرائي يستفيد منه المواطن والسائح على حد سواء، ولما لا دعم أجنحة مخصصة في الحدائق العمومية أو الخاصة والأسواق السياحية، أو تنظيم فعاليات مشتركة مع القطاع السياحي لربط تجربة الزائر ببرامج وقراءة ومعارض للكتاب الشباب.
قد لا يتسع المجال لسرد أفكار لمبادرات مفيدة سواء لتأمين القوت اليومي لهذه الفئة أو لدعم شراء الكتب للفئات ذات الدخل المحدود أو التنسيق مع مؤسسات عمومية أو وزارات أخرى كالتعليم لإدراج مبادرات مشتركة تشجع على القراءة ضمن برامج الثقافية معدة لهذا الغرض داخل المؤسسات تعليمية أو سياحية، مع الاستثمار الموسع لوسائل التواصل الاجتماعي بخلق منصات لها وقع مغر في عرض محتويات الكتب تفتح مناقشتها الشهية لثقافة بصرية بديلة.
# هل للمجتمع المدني مؤهل للترافع والضغط على الجهات المسؤولة لتفعيل هذه المقترحات التنظيمية على أرض الواقع؟
# ما هي الوسائل الإعلامية والرقمية الأكثر فعالية لحشد الرأي العام مقتنعة بدعم هذه المقترحات التنظيمية والهيكلية؟