لننقذ صاحبة الجلالة ؟؟؟

 

ذ. بوناصر المصطفى

 

تعيش الصحافة و الإعلام بصفة عامة أحلك أيامها، حيث عرفت تراجعات خطيرة في زمن ارتفاع صيحات الصحوة والحقوق، إلا أنها وصلت ذروة التصويب والقصف باستهدافها بسهام التذليل قصد ابتزازها في سلطتها وضرب استقلاليتها لتستمر معاكستها وخنقها ببرامج التضييق فتخضع للتسخير كي تغتصب قداستها.

 

تعرف السخرة في دلالتها كشكل من أشكال إخضاع شخص للعمل المقيّد المأجور، حيث يخضع فيه الأجير وعامل السخرة لسلطة وشروط لظروف عمل مقيدة، فالدلالة هي الأقرب اصطلاحا من التسخير، حيث لا يختلف عن معناه اللغوي، بذلك يقصد به تذليل الشيء وجعله منقادا لتحريفه إلى غرض اختص به قهرا بالإغراء والابتزاز.

 

لم يكن المال ولا السلطة إلا وسائل لتنظيم حياة الإنسان وإسعاده وليس لغرض استعباده، بينما زاغ البشر عن معاييره الأصيلة، أصبح تحكم المال والسلطة مظهر من مظاهر الشذوذ في مجتمعاتنا حيث تمادى فيها المسخ كالة لتشويه كل ما هو أصيل، فكيف يمكن أن يكون للصحافة كمؤسسة رقابية التمكين لفرض الأخلاق المهنية؟

 

يعتبر تحكم المال والسلطة في المجتمعات أكبر تحدي للصحافة لممارسة سلطتها الرمزية بمهنية قصد تحقيق تأثير إيجابي، إلا أن ازدواجية المعايير في مسؤول يحكم بمنطق نفوذ المال والسلطة أثمر عنه سلطة الطغيان وأثارا وخيمة وسلبية على القرار السياسي، هكذا صار الحاجز والتحدي الأكبر للصحافة وللمهنية كي يترصد التضليل والمسخ كالة للإجهاز كل ما هو وطني وأصيل، إذ لم يكن أمام الضمير أي خيار إلا طلب حق اللجوء فتبدو الأخلاق بعيدة بمسافات ضوئية عند ممارسة الصحافة كي يحظى بحقه في التعبير لكن للأسف تبقى عضوية محاصرة لفرض معايير المهنية الالتزام بالمبادئ الأخلاقية.

 

إن حالة انصياع الصحفي للخروج من الالتزام بقواعد أخلاقية هو اختيار للتحول نحو أداة لنقل الخبر، أو كما يطلق عليه العالم الانتروبولوجي ادوارد تايلر إناء لنقل المعلومة تحت الطلب دون بحث واستقصاء حول مصداقية المعلومات، ليفقد تلك المسؤولية الاجتماعية والرقابة الاجتماعية، والمكانة الاعتبارية كسلطة رمزية، وكمهمة نبيلة خولت له كدرع للوقوف وصد الاختلال المجتمعي، وكشف الفساد والانتهاكات الجسيمة لكرامة الإنسان.

 

إن ما يزيدنا قلقا مضاعفا هو أن الأثآر السلبية لخروج الصحفي من تلك الدائرة الاعتبارية المعهودة قد لا تقف فقط عند فقدان المصداقية في المادة الخبرية وتتدنى الثقة، بل تتعداه إلى تدمير روابط المجتمع ليسمح بطغيان الإعلام التجاري وسيطرة الإعلام البديل وقنوات التواصل كقناة رسمية وفضاء للشعب، حيث مرتع التفاهة والرداءة، ومشتل الأخبار السريعة والمباشرة كمادة تستقطب انتباه جمهور يبقى ضحية تقصير الدولة في التأطير والتأهيل الثقافي، لذلك نجد المواطن أمام حاجز وصعوبة التمييز بين المعلومات الدقيقة والأخبار الزائفة، ليعيش حالة من العزلة عن واقعه، ذلك أن القضايا المعقدة التي تغطيها الصحافة الاستقصائية تبدو بعيدة عن حياتهم اليومية، مما يؤدي إلى انخفاض التفاعل والدعم ومتابعة الصحفيين المهنيين.

 

هكذا تنجح الخطة في تغييب دور الصحافة في توعية الجمهور حول القضايا المهمة، كصوت لمن لا صوت لهم، مما يهمش دورها ومكانتها في المجتمع كمحفز على النقاش العام وتعزيز المشاركة في الشأن العام.

 

بالرغم كل هذه الأزمة وهذه التحديات المرتبطة بسيطرة المال والسلطة، نحن في حاجة إلى مزيد من الجهد للحفاظ على مساحة لممارسة مهنة الصحافة الاستقصائية بمهنية وفعالية الالتزام بالمبادئ الأخلاقية، والقدرة على التحليل والنقد من أجل الحقيقة والعدالة.

 

صحيح أن أساليب التضييق متعددة على المهنية والجودة كقوانين الدعم و الإشهار والتي يمكن اعتبارها أسلوب من الابتزاز لتقييد حرية التعبير، مما يدفع بكثير من المؤسسات الإعلامية والمواقع للانصياع لعروض الطلب على المقاس تحت تبرير النقص في الموارد المالية وعدم قدرتها على إجراء التحقيقات المعقدة واستقطاب صحفيين مؤهلين، في حين تزيد صعوبة الوصول إلى الوثائق والمعلومات العامة تكريس هذا الوضع، إذ بالرغم من قانون الحق في المعلومة، ترفض الهيئات الحكومية أو المؤسسات الخاصة والجهات الأخرى تقديم البيانات المطلوبة الشيء الذي يعيق العمل الصحفي.

 

إن البنية الثقافية للمجتمع تزيد في التضييق على الصحافة الاستقصائية بالإضافة إلى وجود تحديات اجتماعية وفكرية تتعلق بعدم تقبل المجتمع لفكرة النقد أو التحقيق في قضايا السلطة، مما قد يؤدي إلى رفض المعلومات أو النقد من قبل المجتمع ولضمان تيسير وضع الصحافة المهنية بتوفير شروط المشاركة في الشأن العام وتعزيز المساءلة، وهذا يقتضي إرادة حقيقية لمواجهة هذه التحديات بين جميع مكونات المجتمع من أكاديميين ومنظمات حكومية غير حكومية قطاع خاص.

 

يستنتج من كل هذا أن التضييق على الصحافة و الإعلام بأساليب الابتزاز و الإغراء هي طرق لتشكيل الرأي العام وفرض سرديات معينة كي تبقى مواضيع بعينها بعيدة عن الضوء وتغيب الرقابة الذاتية وما لهذا من تداعيات في تدني الجودة وتأكل الديمقراطية.

 

 

 

 

# أي رؤية لحماية الصحافة من الابتزاز والتهديد؟

 

#هل هناك أي دور للمجتمع المدني أوقف هذه المهازل ؟

 

#أي إجراءات قانونية لضمان الدعم المادي والمعنوي والاشتغال في ظروف شفافة ؟

لننقذ صاحبة الجلالة ؟؟ السلطة الرابعة!
التعليقات (0)
اضف تعليق