مغرب 2030، البنية التحتية هشاشة مستمرة ..!

0 367

عادل عزيزي

حالات رعب كبيرة عاشتها بعض المدن المغربية مؤخرا جراء الإطلالة الموسمية لأمطار طالما يدعو المغاربة أن تأتي “على قدر النفع”، لكن البنيات التحتية الهشّة للمدن لم تكن لتصمد مع أولى الزخّات المطرية، التي أغرقت الشوارع والسيارات واقتحمت منازل ومحلات تجارية من دون استئذان..

أثناء وبعد زيارة أمطار الخير لبلادنا، تعلن الشركات والوكالات المستقلة المكلفة بتدبير الماء والكهرباء والتطهير السائل بالمدن حالات استنفار غير عادية في صفوف عُمّالها من أجل ضخ المياه وإعادة الوضع إلى حالته الطبيعية، وهو السيناريو الذي يتكرر في أكثر من مرة، ليطرح السؤال بالواضح حول متى ستظل المجالس المحلية المنتخبة تنهج سياسة “النعامة” وتغفل عن مشكل مُتقادم طالما تصرف فيه ميزانيات تضخ في صناديق شركات أجنبية من دون نتيجة؟.

وتكشف الأشرطة التي وثقها نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي بـ”الفيضانات” الموسمية، أن البنيات التحتية مازالت موضوع جدل اجتماعي كبير بين المواطنين، بالنظر إلى عدم قدرتها على تصريف الكميات المهمة من المياه التي تهاطلت بشكل متواصل طيلة ساعات من الزمن.

ولم تستوعب شبكات تصريف المياه الأمطار المتهاطلة. وهو ما أعاد جدل البنيات التحتية إلى واجهة النقاش العمومي، بعد تسبّب تلك السيول الجارفة في “غرق” عشرات الشوارع، وسط استياء جماعي من تكرار الموضوع كل سنة.

 

مُدن تتنفس ماءً..

في غالبية مدن المملكة، السيناريو هو نفسه لحالة كارثية واحدة هي الغرق في الماء..، حيث أغرقت الأمطار الغزيرة التي تهاطلت مؤخرا، عدة شوارع، وهو ما أدى إلى حدوث خلل في حركة السير بأهم المحاور الطرقية، بسبب اختناق مجاري الصرف الصحي وعجز البالوعات عن تمرير مياه الأمطار.

مشاهد طبيعية بين مسابح وبرك مائية هنا وهناك، وحركات مرورية مشلولة في الشوارع، فكلما ارتفع مستوى المياه التي تضيق بها بالوعات المياه تتعرقل حركة السير، ويحاصر المواطنون بين الشوارع والأزقة، وتغمر المياه السيارات ولا يظهر منها إلا جزؤها العلوي … وهذا يعيد الحديث القديم المتجدد كل عام حول جدية من بيدهم الأمر في معالجة هذا الملف الذي يعتبر من أهم الملفات العاجلة.

 

خسائر بشرية ومادية

شهدت عدة مدن، في اليومين الماضيين، أمطارا غزيرة تسببت في سيول وفيضانات واسعة النطاق، مخلفة وراءها أضرارا مادية وبشرية.

إثر ذلك، لقيت طفلة في التاسعة من عمرها مصرعها في بركان، بعد أن جرفتها السيول بعد سقوطها في بالوعة المياه العادمة؛ بينما توفي راعٍ في الخمسينيات من عمره بمدينة زايو التابعة لإقليم الناظور، حيث باغتته السيول أثناء محاولته جمع قطيعه، ليُعثر عليه لاحقا مع عدد من ماشيته النافقة.

كما جرفت المياه طفل ذو 8 سنوات بعدما كان قد سقط فوق قنطرة، بجماعة أوناغة إقليم الصويرة، ليعثروا عليه جثة عامدة.

كما تسبّبت الفيضانات في عدة مدن، في غمر شوارعها وأزقتها بالأوحال التي جرفتها السيول، ولم تقتصر الأضرار على الطرق والمرافق؛ بل امتدت إلى القطاع الفلاحي والسكان، إذ تسببت السيول في جرف عدد من رؤوس الماشية ونفوقها وتدمير زراعات وأشجار وبيوت بلاستيكية مخصصة للزراعة.

 

وضع يتكرر..

هذا الوضع صار مشهدا يتكرر من مدينة إلى أخرى كلما تساقطت أمطار الخير، فالبنية التحتية الهشة وما تسببه من كوارث لا تحرك في المسؤولين ذرة من حجم المسؤولية المنوطة بهم، لاتخاذ الإجراءات والتدابير العاجلة والضرورية من أجل حماية المواطن.

وكل ذلك يؤكد بالملموس الفساد الذي يطال تدبير البنى التحتية للمدن، فلا يكاد يمر على الأوراش والإصلاحات التي تخضع لها إلا شهور قليلة حتى تنكشف عورتها.

 

وسط الكارثة.. بارقة أمل

رغم حجم الأضرار التي سببتها هذه الفيضانات، إلا أنه لا يمكن إغفال أهمية المياه التي حملتها معها للبلاد التي عانت لسنوات طويلة من الجفاف وانخفاض منسوب الأودية والسدود، حيث تقلصت الموارد المائية بشكل كبير، ما أثر على النشاط الزراعي والبيئة المحلية بشكل عام.

هذه الأمطار الأخيرة، رغم ما خلفته من خسائر مدمرة، ستساهم في إعادة إحياء الموارد المائية المتجددة في المنطقة.

منسوب الأودية التي كانت شبه جافة قد ارتفع بشكل ملحوظ، ما يعزز من قدرة الفلاحين على استئناف نشاطهم الزراعي بعد انحسار الفيضانات.

 

بداية انتعاش السدود

السدود التي كانت تعاني من انخفاض حاد في مستوى المياه، قد امتلأت الآن من جديد، مما يضمن توفير مخزون مائي حيوي لمواجهة فترات الجفاف القادمة.

على الرغم من أن الأمطار المفاجئة والفيضانات جاءت بطريقة غير متوقعة وبشكل عنيف، إلا أن الماء يعتبر مصدر حياة لا غنى عنه.

ويبقى التحدي الآن هو كيفية توظيف هذه النعمة بطريقة مستدامة، من خلال تحسين أنظمة الصرف والري، وتطوير البنية التحتية لحماية السكان من الكوارث، وضمان استغلال المياه بأفضل الطرق الممكنة لتحسين الإنتاج الزراعي على المدى الطويل.

 

الحاجة إلى استراتيجيات جديدة

دقت الفيضانات ناقوس الخطر مجددا حول ضرورة تحسين البنية التحتية، إذ يجب على الجهات المختصة تعزيز أنظمة الوقاية من الفيضانات، والاستثمار في بنية تحتية قادرة على تحمل الكوارث الطبيعية المتزايدة بسبب التغيرات المناخيةو خصوصا واليلاد مقبلة على حدث كوني في سنة 2030.

في النهاية، لا يمكن اعتبار الفيضانات مجرد حدث عابر، بل هي اختبار حقيقي لقدرة البلد على الصمود أمام الأزمات، ومن دون اتخاذ خطوات حاسمة لتعزيز الحماية، ستبقى عدة مناطق عرضة لمزيد من الخسائر في المستقبل.

هذه الفيضانات تعيد طرح السؤال القديم الجديد حول مدى استعداد المغرب لمواجهة الكوارث الطبيعية، خصوصا في المناطق الهشة تنمويا، وخصوصا و نحن مقبلون على أوراش استراتيجية في السنوات المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.