م. الخولاني
حين تتحول المؤسسة التشريعية إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية المحلية، تتراجع قضايا المواطنين إلى الخلف، وتصبح لغة المواجهة عنوانا للمشهد بدل لغة الترافع والمسؤولية.
شهدت إحدى الجلسات البرلمانية مواجهة كلامية بين البرلماني عباس المغاري، رئيس جماعة مكناس المزتمي للاتحاد الدستوري، وعبد الله بوانو، القيادي بحزب العدالة والتنمية ورئيس جماعة مكناس السابق، بعدما فجّر خلاف بشأن مسطرة تناول الكلمة داخل البرلمان سجالا حادا، بلغ حد المطالبة بسحب عبارة وصفت بغير اللائقة وتقديم اعتذار.
وبحسب المعطيات المتداولة حول الواقعة، انتقد المغاري منح الكلمة لبوانو في إطار تفسير التصويت، معتبراً أن الأمر يطرح إشكالا في احترام المساطر البرلمانية، ومشيرا إلى أنه إذا أتيح هذا الحق للمتدخل، فقد يفتح الباب أمام مطالب مماثلة من رئيسة الحكومة. ولم يتوقف السجال عند هذا الحد، إذ استعمل المغاري عبارة «التخربيق»، ما دفع بوانو إلى مطالبته بسحبها والاعتذار، معتبرا أن ما صدر عنه كلام غير مسؤول. وفي خضم المواجهة، أكد رئيس الجلسة عدم إدراج العبارة المذكورة في محضر الجلسة.
غير أن ما جرى لا يمكن قراءته فقط باعتباره خلافا حول تدبير الجلسات أو تفسير التصويت، بل يطرح تساؤلات بشأن حدود التداخل بين التنافس السياسي المحلي والمسؤولية البرلمانية، خصوصا أن طرفي المواجهة يجمعهما فضاء سياسي وانتخابي واحد بمدينة مكناس، حيث يرأس عباس اولمغاري المجلس الجماعي، فيما سبق لبوانو أن ترأس المجلس نفسه، ويشغل حاليا عضوية جماعته.
هل انتقلت المنافسة من مجلس جماعة مكناس إلى قبة البرلمان؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة، في ظل احتدام المواجهة بين الرجلين، وإن كان الجزم بأن ما وقع يدخل في إطار تصفية حسابات شخصية أو سياسية يظل استنتاجا يحتاج إلى معطيات إضافية. لكن تزامن الخلاف البرلماني مع التنافس المحلي يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كانت الحسابات السياسية بمكناس قد ألقت بظلالها على النقاش داخل المؤسسة التشريعية.
فالبرلمان ليس امتدادا لسجالات المجالس الجماعية، ولا منصة لتبادل الاتهامات أو تسجيل النقاط على الخصوم، بل مؤسسة دستورية يفترض أن يكون جوهر عملها مراقبة الحكومة والتشريع والترافع عن انتظارات المواطنين. وإذا كان لرئيس الجلسة صلاحية تدبير النقاش ومنح الكلمة وفق النظام الداخلي، فإن الاعتراض على قراراته ينبغي أن يتم عبر القنوات والمساطر المعمول بها، لا عبر الانزلاق إلى عبارات تزيد من حدة التوتر.
وماذا عن مكناس ومشاكلها التي لا تنتظر؟
في الوقت الذي ينشغل فيه الفاعلون السياسيون بتبادل الانتقادات، تنتظر ساكنة مكناس أجوبة عملية عن عدد من الإشكالات اليومية، وفي مقدمتها أزمة النقل الحضري وحافلات «الطوبيسات»، إلى جانب جودة الخدمات والمرافق العمومية وتدبير الشأن المحلي.
وهنا يكمن جوهر المفارقة: فالمواطن الذي يمنح صوته لممثليه لا ينتظر منهم استعراض الخلافات أمام الكاميرات، بل يريد أن يرى أثر حضورهم في المؤسسات على حياته اليومية، وأن تتحول مواقع المسؤولية إلى أدوات للدفاع عن مصالحه، لا ساحات لتوسيع دائرة الخصومة السياسية.
إن اختلاف المغاري وبوانو، سواء تعلق الأمر بتدبير الشأن المحلي أو بتقدير المساطر البرلمانية، يظل أمرا طبيعيا في الممارسة الديمقراطية. لكن الفيصل هو كيفية إدارة هذا الاختلاف، ومدى احترام المؤسسات وأعرافها، وقدرة المنتخبين على الفصل بين التنافس السياسي والواجب التمثيلي.
مكناس لا تحتاج إلى مزيد من السجالات، بل إلى أجوبة عن أسئلتها المؤجلة. وبين لغة «التخربيق» والمطالبة بالاعتذار، يبقى السؤال الأهم: هل ستتحول هذه المواجهة إلى فرصة لإعادة النقاش إلى قضايا المدينة، أم ستظل مجرد فصل جديد من فصول الصراع السياسي الذي لا يجني المواطن من ورائه شيئا؟