من «وطني.. مستقبلي» إلى البرنامج الحكومي: هل وفّى نزار بركة بوعوده الانتخابية؟
بقلم: محمد العربي القباج
لم تكن البرامج الانتخابية، في الأصل، مجرد وثائق تُعرض خلال الحملات الانتخابية لاستمالة الناخبين، بل يفترض أن تكون تعاقداً سياسياً وأخلاقياً بين الأحزاب والمواطنين، على أساس الالتزام بتحقيق أهداف واضحة وقابلة للتنفيذ. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية المقارنة بين البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال للفترة 2026–2031، الذي قدمه أمينه العام نزار بركة تحت شعار «وطني.. مستقبلي»، والبرنامج الحكومي للفترة نفسها، لمعرفة مدى انتقال الوعود الانتخابية من الخطاب الحزبي إلى الالتزامات الحكومية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان البرنامج الحكومي قد تضمن بعض مقترحات حزب الاستقلال فحسب، بل إلى أي حد استطاع الحزب، من خلال موقعه في الأغلبية الحكومية، الدفاع عن أولوياته وترجمتها إلى إجراءات ملموسة تستجيب لانتظارات المواطنين.
أولاً: احتل تحسين الدخل والرفع التدريجي للأجور والمعاشات موقعاً مهماً في برنامج حزب الاستقلال، إلى جانب مواجهة الغلاء والحد من تأثير الاحتكار والمضاربات على القدرة الشرائية للأسر. ويتضمن البرنامج الحكومي بدوره إجراءات اجتماعية، من بينها رفع الحد الأدنى للمعاشات الأساسية إلى 3000 درهم شهرياً وفق الشروط والأنظمة المعنية، والرفع من معاش الأرملة إلى 100 في المائة من المعاش الأساسي للزوج المتوفى، فضلاً عن الرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، وفق الفئات والشروط المحددة.
وتُعد هذه الإجراءات، من حيث المبدأ، استجابة لبعض المطالب الاجتماعية، غير أن تقييمها يقتضي طرح أسئلة أساسية: متى سيبدأ تنفيذها؟ وما الفئات المستفيدة منها؟ وهل ستواكبها إجراءات كافية لمواجهة ارتفاع الأسعار وتكاليف العلاج والسكن؟
كما ينبغي التمييز بين رفع الحد الأدنى للمعاشات والزيادة العامة في معاشات المتقاعدين؛ فالأول لا يعني بالضرورة استفادة جميع المتقاعدين، ولا يعالج وحده آثار تجميد المعاشات وتراجع قيمتها الشرائية.
ومن هنا، فإن حزب الاستقلال مطالب بتوضيح ما إذا كانت وعوده بشأن تحسين أوضاع المتقاعدين قد أُدرجت كاملة في البرنامج الحكومي، أم جرى الاكتفاء ببعض التدابير الجزئية. فالمعيار الحقيقي ليس الإعلان عن أرقام اجتماعية، وإنما مدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين.
ثانياً: هل انتقلت المقترحات إلى التزامات دقيقة؟ رفع حزب الاستقلال شعار محاربة الفساد والريع، ودعا إلى تعزيز الشفافية، ومراقبة تضارب المصالح والتصريح بالممتلكات، وتحسين تدبير الصفقات العمومية، إلى جانب مقترحات أكثر تحديداً، من بينها فرض ضريبة تصل إلى 40 في المائة على بعض الأنشطة الاحتكارية والريعية، وفق التصور الوارد في برنامجه.
أما البرنامج الحكومي، فيتضمن بدوره إجراءات تتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع، ومحاربة تضارب المصالح، وتعزيز مراقبة التصريح بالممتلكات والصفقات العمومية، فضلاً عن تخصيص نسبة 30 في المائة من قيمة الصفقات العمومية للمقاولات المغربية الصغيرة والمتوسطة.
هذا التقاطع عن وجود التقاء في الأهداف العامة، لكنه لا يكفي للحكم بأن جميع مقترحات حزب الاستقلال قد جرى اعتمادها. فبعض التدابير المحددة، ومنها التصور الضريبي المقترح لمواجهة الريع والاحتكار، لا تظهر بالصيغة نفسها في البرنامج الحكومي المعروض. حيث تبرز مسؤولية القيادة الاستقلالية في توضيح ما تم التفاوض بشأنه، وما جرى تأجيله أو التخلي عنه، والأسباب التي حالت دون إدراج بعض الالتزامات.
إن محاربة الفساد لا تُقاس بعدد القوانين المعلن عنها، بل بمدى تطبيقها على الجميع، وضمان تكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية المال العام من كل أشكال الاستغلال.
ثالثاً: من الأهداف العامة إلى النتائج الملموسة، تضمن برنامج حزب الاستقلال مقترحات تهم تطوير المنظومة الصحية، من بينها إحداث وكالة وطنية للاستعجالات، وتوحيد رقم الاتصال بها، وتكوين 2000 طبيب مختص في طب المستعجلات في أفق 2031، إلى جانب تعزيز دور طبيب الأسرة.
وفي مجال التعليم، دعا الحزب إلى تعميم التعليم الأولي المجاني للأطفال من أربع إلى ست سنوات، وإلى اعتماد مبادرات تستهدف الشباب غير المتمدرسين وغير المندمجين في التكوين أو سوق الشغل، فضلاً عن تأهيل الكفاءات الرقمية.
البرنامج الحكومي، فيتضمن أهدافاً من بينها بلوغ نسبة 80 في المائة من التلاميذ المتحكمين في التعلمات الأساسية بحلول 2031، والقضاء على الهدر المدرسي في أفق 2030، وتكوين 100 ألف شاب سنوياً، وتوفير 100 ألف تجربة أولى للعمل سنوياً، مع توسيع طاقة التكوين بالتدرج المهني.
وهذه أهداف تستحق الاهتمام، لكن التحدي يكمن في وسائل تحقيقها. فالتكوين لا يصبح نجاحاً لمجرد تسجيل المستفيدين، بل عندما يفضي إلى فرص عمل فعلية ومستقرة. كما أن توفير تجربة أولى للعمل لا يعوض الحاجة إلى وظائف تحفظ الكرامة وتضمن الاستمرارية والحماية الاجتماعية.
وفي الصحة، يظل من الضروري معرفة ما إذا كانت المقترحات الاستقلالية الخاصة بالاستعجالات الطبية ستنفذ بصيغتها المعلنة، أم سيقتصر الأمر على إصلاحات عامة لا تتضمن الالتزامات الرقمية نفسها.
لذلك، فإن المطلوب ليس تضخيم الأهداف الواردة في البرنامجين، بل إخضاعها للتقييم من خلال مؤشرات واضحة، تشمل جودة الخدمات، وتقليص الفوارق بين الجهات، ونتائج التكوين والتشغيل، ومدى استفادة الفئات الهشة.
رابعاً: السيادة الاقتصادية والأمن الغذائي والطاقي، لم يقتصر برنامج حزب الاستقلال على القضايا الاجتماعية، بل تضمن مقترحات لتعزيز السيادة الاقتصادية، من بينها تكوين مخزونات استراتيجية من المحروقات والحبوب والأدوية، واعتماد سياسة فلاحية تعطي الأولوية للماء، ورفع نسبة المحتوى المحلي في مشاريع الطاقة، إلى جانب الدعوة إلى إحداث شركة وطنية للنقل البحري.
وفي المقابل، يتضمن البرنامج الحكومي أهدافاً في مجال الطاقات المتجددة، من بينها تجاوز نسبة 52 في المائة من المزيج الطاقي بحلول 2030، وتطوير تحلية مياه البحر، والرفع من نسبة البذور الوطنية المستعملة من 20 إلى 50 في المائة، فضلاً عن تطوير الأسطول التجاري البحري الوطني.
ويبدو أن هناك تقاطعاً بين البرنامجين في عدد من التوجهات الاستراتيجية، خصوصاً ما يتعلق بالطاقة والماء والفلاحة والنقل البحري. غير أن التقاطع في العناوين لا يعني التطابق في الالتزامات.
فبرنامج الحزب اقترح مستويات محددة للمخزون الاستراتيجي، تصل إلى 90 يوماً بالنسبة إلى المحروقات، وأربعة أشهر للحبوب، وستة أشهر للأدوية واللقاحات الحيوية. والسؤال هو: هل تحولت هذه الأرقام إلى التزامات حكومية واضحة، بآجال تنفيذ وميزانيات وآليات للمراقبة؟
كما ينبغي توضيح المقصود بتطوير الأسطول التجاري الوطني، ومدى مطابقته لمقترح إحداث شركة وطنية للنقل البحري. فالفارق قائم بين تطوير قطاع معين واتخاذ قرار مؤسساتي محدد بشأنه.
وتكتسي هذه القضايا أهمية خاصة في ظل تقلبات الأسواق الدولية والتحديات المناخية، لأنها ترتبط بالأمن الاقتصادي والغذائي والطاقي للمغرب.
خامساً: الأسرة والشباب.. مقترحات لم تظهر كلها بوضوح، اذ اقترح حزب الاستقلال إجراءات اجتماعية تهم دعم الأسر والشباب، من بينها تقديم دعم مالي للأزواج الشباب عند الزواج، وتطوير خدمات رعاية الأطفال، وتيسير الحصول على السكن من خلال ضمانات للقروض.
أما البرنامج الحكومي، فيتضمن تدابير تتعلق بالدعم المباشر للأسر المؤهلة، والسكن، ومحاربة السكن غير اللائق، إلى جانب إجراءات أخرى ذات طابع اجتماعي.
ومع ذلك، فإن بعض المقترحات الاستقلالية المحددة لا تظهر بوضوح في البرنامج الحكومي المعروض، وهو ما يستدعي التمييز بين ما تم اعتماده فعلاً وما ظل مجرد وعد انتخابي.
ولا يعني غياب مقترح معين من البرنامج الحكومي بالضرورة التخلي النهائي عنه، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى قدرة الحزب على الدفاع عن أولوياته داخل الأغلبية الحكومية، ومدى إخبار المواطنين بمآل الالتزامات التي قدمها لهم خلال الحملة الانتخابية.
سادساً: مسؤولية نزار بركة.. التفاوض لا يعفي من المحاسبة، من الإنصاف الإقرار بأن البرنامج الحكومي برنامج ائتلافي، تساهم في صياغته أحزاب متعددة، ولذلك لا يمكن انتظار إدراج جميع المقترحات الحزبية حرفياً. فالتفاوض السياسي يقتضي التوافق وتحديد الأولويات والإمكانات المالية والمؤسساتية.
لكن هذه الحقيقة لا تعفي الأمين العام لحزب الاستقلال من مسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه الوعود التي قدمها باسمه وباسم حزبه. فالمواطن الذي صوّت على أساس برنامج انتخابي من حقه أن يعرف ما الذي تحقق من ذلك البرنامج، وما الذي لم يتحقق، ولماذا.
وكان من المفيد أن يقدم الحزب، إلى جانب البرنامج الانتخابي، توضيحاً يحدد الالتزامات التي نجح في إدراجها ضمن البرنامج الحكومي، وتلك التي تم تعديلها أو تأجيلها أو استبعادها خلال المفاوضات.
كما أن مسؤولية الحزب لا تنتهي بمجرد المشاركة في الحكومة، بل تمتد إلى متابعة تنفيذ الالتزامات، ومساءلة القطاعات المعنية، وتقديم حصيلة دورية للرأي العام.
فالنجاح السياسي لا يُقاس بعدد المناصب الحكومية ولا بحضور القيادات في الاجتماعات الرسمية، وإنما بمدى القدرة على تحويل البرنامج إلى نتائج ملموسة في الأجور والمعاشات والصحة والتعليم والتشغيل ومحاربة الفساد.
خلاصة: بين الالتقاء في الأهداف والوفاء بالتفاصيل، تُظهر المقارنة بين البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال والبرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 وجود تقاطع في عدد من المجالات الاجتماعية والاقتصادية والاستراتيجية، لكن هذا التقاطع لا يسمح بالقول إن جميع وعود الحزب قد تحولت إلى التزامات حكومية واضحة.
فبعض الأهداف انتقلت إلى البرنامج الحكومي بصيغ متقاربة، بينما لا تظهر مقترحات أخرى بالدرجة نفسها من التحديد، خصوصاً تلك المرتبطة بآجال التنفيذ والأرقام الدقيقة والآليات المؤسساتية. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين غياب الالتزام الصريح في الوثيقة الحكومية وبين الحكم على فشل التنفيذ؛ فالأمر يتعلق ببرنامج يمتد لخمس سنوات، ولا يمكن إصدار حصيلة نهائية قبل انطلاق التنفيذ وتوفر معطيات موثوقة حول نتائجه.
لكن من حق المواطنين أن يطالبوا منذ البداية بجدول زمني واضح، ومؤشرات قابلة للقياس، وتوضيح لمصادر التمويل، وتقارير دورية تكشف مدى التقدم في تنفيذ التعهدات.
وفي النهاية، يظل السؤال موجهاً إلى قيادة حزب الاستقلال، وإلى أمينه العام نزار بركة تحديداً: ما الذي استطاع الحزب انتزاعه لفائدة المواطنين من خلال مشاركته الحكومية، وما الذي تعذر تحقيقه، وما الالتزامات التي سيتحمل مسؤولية الدفاع عنها خلال هذه الولاية؟
فبين شعار «وطني.. مستقبلي» والبرنامج الحكومي، لا يكفي أن تتشابه العناوين؛ المطلوب أن يلمس المواطن نتائجها في حياته اليومية. وحده التنفيذ الفعلي والشفاف هو الذي سيحدد ما إذا كانت الوعود الانتخابية تعاقداً سياسياً مسؤولاً، أم أنها ستظل عناوين تنتظر ترجمتها إلى واقع ملموس.