بقلم: محمد العربي القباج
لم يكن إعفاء مديحة خيير، الوزيرة المنتدبة التي لم يمض على تعيينها سوى يومين، مجرد حدث عابر في بداية تشكيل الحكومة الجديدة، بل تحول إلى امتحان سياسي وتنظيمي حقيقي لحزب الاستقلال، وفتح الباب أمام أسئلة محرجة حول طريقة تدبير القيادة الحزبية لمرحلة دقيقة، ومدى قدرتها على التوفيق بين المسؤولية الحكومية والمصداقية السياسية.
فقد وافق صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله ونصره ، يوم الأحد 18 أكتوبر 2026، على طلب رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري إعفاء الوزيرة من مهامها، في أعقاب الجدل الذي أثارته معطيات متداولة بشأن ملف سابق. وقد أعاد هذا التطور النقاش حول معايير اختيار المسؤولين الحكوميين، ودقة التحري قبل التعيين، وحدود المسؤولية السياسية للأحزاب التي تقترح أسماءها للمشاركة في الحكومة.
لكن السؤال الذي يهم حزب الاستقلال اليوم لا يتعلق فقط بما وقع، بل بما كشفه من اختلالات محتملة في أسلوب اتخاذ القرار داخل الحزب، وبما يتطلبه الوضع من مراجعة صريحة وشجاعة.
أولاً: هل أخطأ المجلس الوطني في تفويضه لنزار بركة؟ إن قرار المجلس الوطني لحزب الاستقلال، في دورته الاستثنائية، بتفويض الأمين العام نزار بركة تدبير المفاوضات المتعلقة بالمشاركة في الحكومة، كان قراراً سياسياً مهماً، لكنه وضع على عاتق القيادة مسؤولية ثقيلة تتجاوز مجرد الحصول على حقائب وزارية. فالمفاوضات الحكومية ليست عملية حسابية لتوزيع المناصب، ولا مناسبة لتكريس نفوذ الأشخاص، وإنما هي تعاقد سياسي يفترض الدفاع عن برنامج الحزب، وضمان الانسجام بين الكفاءة والنزاهة والمسؤولية، واحترام تطلعات المناضلين والمواطنين.
ومن هنا، فإن الخطأ الذي يستحق المساءلة ليس بالضرورة قرار التفويض في حد ذاته، بل احتمال تحويله إلى تدبير يتركز في يد الأمين العام دون آليات كافية للمراقبة والتشاور والتقييم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بترشيحات تتحمل القيادة الحزبية مسؤوليتها السياسية.
لقد كان من المفروض أن تواكب المفاوضات لجنة قيادية واضحة الاختصاصات، وأن تخضع الأسماء المقترحة لتدقيق جدي قبل إعلان التعيينات، وأن يكون للجنة القيادة المؤقتة، ممثلاً في لجنته التنفيذية، دور فعلي في التقييم والمحاسبة.
إن التفويض لا يعني إعفاء بقية المؤسسات من مسؤولياتها، كما أن الثقة في الأمين العام لا ينبغي أن تتحول إلى شيك على بياض.
ثانياً: نزار بركة أمام مسؤولية التوضيح والمحاسبة، إن ما يتداول بشأن استياء بعض القياديين وانتقادهم لطريقة تدبير هذه المرحلة يفرض على قيادة الحزب الخروج من دائرة الصمت والتأويلات، وتقديم توضيحات واضحة حول كيفية إعداد الترشيحات، والمعايير المعتمدة في اختيار الأسماء، وحدود مسؤولية كل مؤسسة حزبية.
ولا يجوز، في المقابل، اعتبار الإعفاء دليلاً تلقائياً على ثبوت مسؤولية جنائية أو أخلاقية في حق أي طرف، كما لا يصح بناء أحكام نهائية على وثائق أو معطيات شخصية متداولة دون التحقق منها واحترام الحق في الخصوصية. لكن المسؤولية السياسية شيء آخر؛ فهي تقتضي استخلاص الدروس من الاختلالات التي كشفتها الواقعة، مهما كانت أسبابها النهائية.
وإذا ثبت أن قيادة الحزب قصّرت في التحري أو في إعمال آليات المراقبة، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بتبرير ما حدث، بل الاعتراف بالخلل وتحمل المسؤولية عنه. أما إذا كانت بعض المعطيات لم تكن متاحة قبل التعيين، فينبغي توضيح ذلك بشفافية، مع التمييز بين ما كان ممكناً معرفته مسبقاً وما لم يكن كذلك.
إن قوة القيادة لا تقاس بقدرتها على الدفاع عن قراراتها في جميع الظروف، بل بقدرتها على الاعتراف بالخطأ عندما يثبت، وتصحيحه دون مكابرة أو تحميل الآخرين وحدهم تبعاته.
ثالثاً: ما القرار الذي ينبغي أن يتخذه نزار بركة؟ في تقديري، ليس المطلوب إصدار حكم متسرع بالمطالبة باستقالة الأمين العام لمجرد وقوع الإعفاء، كما لا يجوز اعتبار الاستقالة أمراً مستبعداً مهما بلغت كلفة الأخطاء. إن القرار الأنسب هو أن يبادر نزار بركة إلى ثلاثة إجراءات واضحة:
Ø أولاً: تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية، من خلال تقديم توضيح صريح أمام اللجنة التنفيذية، يتضمن تسلسل القرارات والمعايير المعتمدة في اختيار المرشحين، مع الاعتراف بأي تقصير يثبت وقوعه.
Ø ثانياً: الدعوة إلى اجتماع استثنائي للجنة التنفيذية، يعقبه اجتماع للمجلس الوطني عند الاقتضاء، لتقييم تدبير المفاوضات الحكومية، والاستماع إلى مختلف الآراء، واتخاذ قرارات مؤسساتية ملزمة تمنع تكرار مثل هذه الاختلالات.
Ø ثالثاً: وضع استمرارية القيادة على المحك إذا ثبت التقصير الجسيم. فإذا أظهر التقييم الموضوعي أن الأمين العام يتحمل مسؤولية سياسية مباشرة عن أخطاء كان بالإمكان تفاديها، فإن التنحي أو فتح الطريق أمام مراجعة القيادة يصبح خياراً مشروعاً، وليس مساساً بوحدة الحزب.
فالمطلوب ليس التضحية بشخص لإغلاق الملف، ولا حماية شخص على حساب الحزب، وإنما تحديد المسؤوليات وفق معايير واضحة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
رابعاً: إنقاذ الحزب يبدأ بإعادة الاعتبار للمؤسسات، إن أزمة حزب الاستقلال أعمق من واقعة إعفاء وزيرة، مهما كانت تداعياتها. فالحزب الذي راكم تاريخاً وطنياً ونضالياً، وأسهم في بناء الحركة الوطنية والدفاع عن الاستقلال، لا يمكن أن يختزل مستقبله في مواقع حكومية أو حسابات انتخابية ظرفية.
إن إنقاذ الحزب يقتضي إعادة الاعتبار للمجلس الوطني باعتباره مؤسسة للتداول والمحاسبة، وتقوية دور اللجنة التنفيذية، وضمان مشاركة القيادات والمناضلين في القرارات المصيرية، وإنهاء أي انطباع بأن القرارات الكبرى تُصنع في دائرة ضيقة ثم تقدم لبقية المؤسسات باعتبارها أمراً واقعاً.
كما يتطلب الأمر مراجعة معايير الترشيح للمسؤوليات الانتخابية والحكومية، وربطها بالكفاءة والنزاهة والاستعداد لتحمل المسؤولية، إلى جانب إرساء آليات داخلية للتدقيق والتقييم. ولا يقل عن ذلك أهمية فتح نقاش صريح حول حصيلة الحزب داخل الحكومة السابقة، ونتائجه الانتخابية، وعلاقته بقواعده الاجتماعية والنقابية، ومدى وفائه للالتزامات التي قدمها للمواطنين.
إن حزب الاستقلال ليس ملكاً لأمينه العام، ولا للجنة التنفيذية وحدها، بل هو رصيد وطني وتنظيمي ساهم في بنائه أجيال من المناضلين، ومن حق هؤلاء أن يطالبوا بالديمقراطية الداخلية والشفافية والمحاسبة.
إن ما وقع ينبغي أن يكون لحظة مراجعة لا مناسبة لتبادل الاتهامات أو تصفية الحسابات. فلا نزار بركة فوق المساءلة، ولا أي قيادي آخر فوق النقد، ولا يحق لأحد أن يجعل وحدة الحزب ذريعة لإسكات الأصوات المعارضة.
إن الحزب الذي يرفض محاسبة قيادته اليوم، سيجد نفسه غداً عاجزاً عن إقناع المواطنين بمحاسبة الحكومة. والحزب الذي يضع المناصب فوق المبادئ، يغامر بأن يفقد الاثنين معاً: المناصب وثقة الناس.
وعلى نزار بركة أن يختار بوضوح: إما قيادة مرحلة التصحيح بشجاعة، وإما القبول بفتح الطريق أمام مراجعة مسؤولة للقيادة إذا أثبت التقييم أن المرحلة تتطلب ذلك. أما التمسك بالموقع، وتجاهل أصوات المناضلين، والاحتماء بشرعية التفويض السابق، فلن يكون جواباً عن الأزمة، بل تأجيلاً لانفجارها.
إنقاذ حزب الاستقلال لا يكون بإنقاذ الأشخاص من المحاسبة، بل بإنقاذ الحزب من منطق الأشخاص. فالتاريخ النضالي ليس صكاً على بياض، واسم علال الفاسي ليس غطاءً للأخطاء، والميزان الذي لا يزن قرارات قيادته بالعدل والشفافية يفقد معناه قبل أن يفقد مكانته.