* *التزكيات المالية والممارسات السياسية بجهة الداخلة وادي الذهب.. أزمة ثقة تهدد نجاح الحكم الذاتي*.
خردي لحسن / فلاش 24 الداخلة
الداخلة :29 ماي 2026
في خضم الدينامية التنموية والدبلوماسية المتسارعة التي تشهدها جهة الداخلة وادي الذهب، ومع الانتصارات المتتالية للدبلوماسية الملكية ممثلة في قرارات مجلس الأمن الدولي (آخرها القرار 2797) والاعترافات الأوروبية والإفريقية المتزايدة بمغربية الصحراء، يبرز سؤال محوري: كيف يمكن لمبادرة الحكم الذاتي، كحل واقعي ووحيد للنزاع المفتعل، أن تنجح إذا كانت ممارسات بعض الأحزاب السياسية المحلية تقوم على “التزكيات المالية” وبيع الترشيحات بدلاً من الكفاءة والنزاهة؟
هذا التساؤل الذي يطلقه فاعلون مدنيون صحراويون، وفي مقدمتهم الأستاذ أحمد الصلاي، رئيس جمعية الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي بجهة الداخلة وادي الذهب ورئيس مجلس اتحاد الشباب الإفريقي والمجتمع المدني بإفريقيا، يكشف عن أزمة ثقة عميقة بين النخب السياسية والمواطنين، ويثير مخاوف جدية حول مستقبل المشاركة الشبابية والمثقفة في العمل السياسي.
*ظاهرة “التزكيات تباع”.. إفشال للإرادة وتقويض لمصداقية الحكم الذاتي*
تشير أصوات مدنية وفاعلين محليين إلى أن بعض الأحزاب السياسية بجهة الداخلة وادي الذهب تمارس ما يمكن وصفه بـ “ديمقراطية الخبث”، حيث تتحول التزكيات الحزبية لخوض الانتخابات إلى سلعة تباع وتشترى، مما يؤدي إلى:
· استبعاد الكفاءات والشباب الطموح والنزيه غير القادر على دفع الأموال المطلوبة.
· وصول عناصر فاسدة أو غير مؤهلة إلى المجالس المنتخبة والبرلمان، همها الأول استرداد “استثمارهم” بطرق غير مشروعة.
· تفشي ظاهرة التوظيف على أساس المال والنفوذ، عوض الكفاءة والاستحقاق.
وهذه الممارسات، إن صحت، تتناقض بشكل صارخ مع روح مبادرة الحكم الذاتي التي تقوم على المشاركة الديمقراطية الحقيقية، والشفافية، وتمكين الساكنة من تدبير شؤونها بنزاهة. بل إنها تعصف بثقة المواطن في مؤسساته وتدفعه نحو العزوف السياسي أو الاحتقان.
*”أفبهذا السلوك تشجعون الشباب والمثقفين؟”.. سؤال محوري*
يتساءل المراقبون: كيف يمكن لشاب مثقف، طموح، ونزيه، أن يقنع بالانخراط في العمل الحزبي والسياسي إذا كان الطريق إلى التزكيات أو القوائم الانتخابية مرصوفاً بالمال وليس بالكفاءة؟ الإجابة، كما يبدو، محبطة.
*إن استمرار هذه الممارسيـن يعني*:
· هجرة العقول والكفاءات إلى قطاعات أخرى (المجتمع المدني، القطاع الخاص، أو حتى الهجرة الخارجية).
· تعميق الأزمة التمثيلية، حيث تصبح النخب السياسية معزولة عن هموم المواطنين الحقيقية.
· تفريغ العمل السياسي من محتواه الأخلاقي، وتحويله إلى سوق للصفقات والمصالح الضيقة.
*المجتمع المدني ودور أحمد الصلاي.. صوت النزاهة في مواجهة الفساد*
*في مواجهة هذه الممارسات، يبرز دور الفاعل المدني الصحراوي الأستاذ أحمد الصلاي كصوت ناقض يدعو إلى:*
· تجديد النخب عبر انتخابات شفافة تفرز قيادات ذات مشروعية شعبية حقيقية.
· تفعيل المساءلة المجتمعية للمنتخبين، وجعلهم تحت رقابة المواطنين والمجتمع المدني.
· تعزيز ثقافة النزاهة داخل الأحزاب، ومحاربة ظاهرة بيع التزكيات والترشيح على أساس المقدرة المالية.
ويؤكد الصلاي أن نجاح مبادرة الحكم الذاتي لا يتوقف فقط على الدعم الدولي والقرارات الأممية، بل على مصداقية النخب المحلية في عيون سكان المنطقة. فإذا كانت هذه النخب فاسدة أو غير نزيهة، فكيف يمكن إقناع المواطنين بأن الحكم الذاتي سيحقق العدالة والتنمية؟
*التوقعات: “ستُملأ السجون بالمنتخبين الفاسدين”.. بين الرهبة والرجاء*
العبارة القوية “ستملىء السجون بالمنتخبين الفاسدين” ليست مجرد تهديد، بل هي توقع واقعي إذا ما استمرت الممارسات الحالية على حالها دون رادع. المملكة المغربية، بقيادة الملك محمد السادس، قطعت أشواطاً كبيرة في مجال محاربة الفساد عبر:
· هيئة النزاهة والوقاية من الرشوة.
· تفعيل مقتضيات القانون الجنائي في قضايا الفساد الانتخابي.
· الدعوات الملكية المتكررة لمحاربة الفساد والمحسوبية.
غير أن الرهيب الأكبر هو أن تتحول محاربة الفساد إلى إجراءات استثنائية بعد فوات الأوان، بعد أن يكون الأمل قد ضاع لدى الشباب والمثقفين، وتكون الثقة في السياسة قد انهارت تماماً.
*خلاصة: ديمقراطية حقيقية أم “ديمقراطية الخبث”؟*
إن النجاح المستدام لمبادرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية، الذي تحظى بتأييد دولي متصاعد، يتطلب نخباً سياسية نزيهة وكفوءة ومتصلة بقواعدها. أما إذا ظلت التزكيات تباع وتشترى، ووصلت إلى المجالس المنتخبة عناصر لا هم لها سوى المصالح الشخصية، فإن ذلك لن يؤدي فقط إلى إحباط الشباب والمثقفين، بل سيهدد مصداقية المشروع السياسي برمته.
الصوت المدني الذي يطلقه الأستاذ أحمد الصلاي ونظراؤه هو دعوة إلى التصحيح والإصلاح من الداخل، وإلى استعادة الثقة بين المواطن ونخبه. أما إذا استمرت الأحزاب في سلوك “ديمقراطية الخبث”، فإن توقع امتلاء السجون بالمنتخبين الفاسدين قد يتحول إلى واقع، ويكون الخاسر الأكبر هو الوطن ومستقبل الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.