من التعقب إلى المصادرة: القضاء المغربي يشدد الخناق على الجرائم المالية ويعزز آليات استرجاع الأموال المنهوبة
مصطفى بوناصر
في سياق الجهود المتواصلة لترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وتعزيز دولة الحق والقانون، شكلت ندوة علمية احتضنها الرواق المشترك بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، محطة بارزة لتسليط الضوء على الأدوار الجديدة للقضاء في مواجهة الفساد المالي.

الندوة، التي انعقدت تحت عنوان “دور القضاء في تخليق الحياة العامة”، عكست التحول النوعي الذي يشهده المغرب في التعاطي مع الجرائم المالية، حيث لم يعد التركيز مقتصرًا على المتابعة الزجرية، بل امتد ليشمل تعقب العائدات غير المشروعة واسترجاعها لفائدة الدولة.
وفي هذا الإطار، قدم الوكيل العام للملك خالد كردودي قراءة قانونية دقيقة لمقاربة المغرب في تفكيك شبكات الفساد المالي، مؤكدًا أن هذه الجرائم تمثل تهديدا حقيقيا للاقتصاد الوطني ولمناخ الاستثمار، لما لها من انعكاسات مباشرة على فعالية السياسات العمومية وثقة الفاعلين الاقتصاديين.
وأوضح أن المنظومة القانونية الوطنية عرفت تطورًا ملحوظًا، سواء عبر ملاءمتها مع الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، أو من خلال سن تشريعات متقدمة تهم مكافحة غسل الأموال وحماية المبلغين، إلى جانب إحداث مؤسسات متخصصة في الرصد والتتبع.
وشدد كردودي على أن النجاعة القضائية في هذا المجال تمر عبر اعتماد ما يُعرف بـ“البحث المالي الموازي”، باعتباره آلية مركزية لتحديد وتتبع الممتلكات ذات المصدر غير المشروع. هذه الآلية تُمكّن من الانتقال من مجرد إثبات الجريمة إلى تفكيك بنيتها المالية، عبر تحليل مسارات الأموال وتحديد المستفيدين الحقيقيين منها.
وفي نفس السياق، أبرز أن المصادرة لم تعد مجرد إجراء تكميلي، بل تحولت إلى عقوبة مالية عينية ذات طابع إلزامي في عدد من الجرائم، خاصة المرتبطة باختلاس المال العام وغسل الأموال، ما يعكس توجهًا تشريعيًا واضحًا نحو تجفيف منابع الفساد بدل الاكتفاء بمعاقبة مرتكبيه.
كما توقف المسؤول القضائي عند أهمية التنسيق المؤسساتي، مشيرًا إلى أن فعالية البحث المالي الموازي تظل رهينة بتكامل الأدوار بين النيابة العامة والشرطة القضائية والهيئات المالية، فضلاً عن الانفتاح على آليات التعاون الدولي، بالنظر للطابع العابر للحدود الذي يميز هذا النوع من الجرائم.
وخلصت أشغال الندوة إلى أن القضاء المغربي بات في صلب معركة تخليق الحياة العامة، من خلال أدوار تتجاوز التطبيق الصارم للنصوص القانونية، لتشمل الإسهام في ترسيخ ثقافة النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يعزز ثقة المواطنين ويكرس أسس العدالة والشفافية.