القانون 03.23 يعيد رسم ملامح عدالة الأحداث بالمغرب من مراكش

0 19

 

مصطفى بوناصر

في خطوة تعكس الدينامية الإصلاحية التي تشهدها منظومة العدالة بالمملكة، احتضنت محكمة الاستئناف بمراكش، يوم الخميس 30 أبريل 2026، دورة تكوينية متخصصة لفائدة قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية، خصصت لمناقشة مستجدات القانون رقم 03.23 المغير والمتمم لقانون المسطرة الجنائية، ولاسيما ما يتعلق بمنظومة عدالة الأحداث.
ويأتي هذا اللقاء في سياق تنزيل التوجهات الوطنية الرامية إلى تحديث السياسة الجنائية، بما ينسجم مع الالتزامات الدستورية والدولية للمغرب في مجال حماية حقوق الطفل، وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة لفائدة الأحداث في نزاع مع القانون.

عدالة الأحداث.. من المقاربة الزجرية إلى الرؤية الإصلاحية
في كلمته الافتتاحية، أكد السيد خالد كردودي، الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش، أن القانون 03.23 يشكل محطة تشريعية مفصلية في مسار تطوير العدالة الجنائية، لما تضمنه من مقتضيات جديدة تروم إرساء عدالة متخصصة تراعي الخصوصية القانونية والاجتماعية والنفسية للحدث.
وأوضح أن الفلسفة التي يقوم عليها هذا الإصلاح تتأسس على مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، باعتباره قاعدة مرجعية في جميع مراحل الدعوى العمومية، مع اعتماد مقاربة قوامها الحماية والتقويم وإعادة الإدماج، بدل الاقتصار على الردع والعقاب.
ضمانات إجرائية موسعة
وقد عزز القانون الجديد، وفق ما تم عرضه خلال هذه الدورة، مجموعة من الضمانات الأساسية لفائدة الحدث، منذ مرحلة البحث التمهيدي، حيث أقر مبدأ إبقائه داخل وسطه الأسري كأصل عام، وحصر اللجوء إلى الاحتفاظ في نطاق استثنائي ومؤطر بضوابط قانونية دقيقة.
كما نص على إلزامية إشعار الولي أو من يقوم مقامه، وضمان حق الحدث في الاستعانة بمحام منذ اللحظات الأولى للبحث، مع تكريس سرية الإجراءات حمايةً لهويته وخصوصيته.
ومن بين المستجدات الجوهرية أيضاً، إحداث تخصص نوعي على مستوى ضباط الشرطة القضائية المكلفين بقضايا الأحداث، بما يكرس مبدأ التخصص ويعزز جودة التدخل.
اختصاص قضائي متخصص وآليات بديلة
على مستوى المتابعة والتحقيق، كرس القانون مبدأ التخصص القضائي في قضايا الأحداث، وأسند حصرياً للنيابة العامة صلاحية تحريك الدعوى العمومية، حمايةً للحدث من أي استعمال تعسفي أو كيدي للمسطرة الجنائية.
كما فتح المجال أمام اعتماد آليات بديلة، وفي مقدمتها الصلح، كلما كانت طبيعة القضية تسمح بذلك، بما ينسجم مع فلسفة العدالة التصالحية.
وألزم المشرع كذلك بإجراء البحث الاجتماعي والفحص الطبي عند الاقتضاء، قصد تمكين القضاء من الإحاطة الشاملة بالوضعية الشخصية والاجتماعية للحدث قبل اتخاذ أي قرار.
محاكمة تراعي الكرامة والخصوصية
أثناء مرحلة المحاكمة، جاء القانون بمقتضيات تكرس الطابع الحمائي لعدالة الأحداث، من خلال تقييد اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، واعتباره إجراءً استثنائياً لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى وبقرار معلل.
كما جعل حضور المحامي إلزامياً تحت طائلة البطلان، وأكد على سرية الجلسات، مع الحظر المطلق لنشر هوية الحدث أو أي معطيات من شأنها المساس بكرامته أو مستقبله.
وفي بُعد إنساني لافت، أتاح النص إمكانية عقد جلسات الأحداث في ظروف شكلية تراعي حالتهم النفسية، بما في ذلك عدم إلزامية ارتداء البذلة الرسمية داخل بعض الجلسات.
ما بعد الحكم.. عدالة ممتدة الأثر
ولم يقف الإصلاح عند حدود صدور الحكم، بل امتد إلى مرحلة التنفيذ، حيث منح قاضي الأحداث صلاحيات موسعة لتتبع تنفيذ التدابير المحكوم بها، ومراجعتها أو تعديلها وفق تطور وضعية الحدث.
كما أولى أهمية خاصة لآليات الرعاية اللاحقة، عبر ربط الحدث بمؤسسات التعليم والتكوين والتأهيل المهني، في أفق تحقيق إدماج اجتماعي فعلي والحد من حالات العود.
رهان التنزيل العملي
ورغم أهمية هذه المكتسبات التشريعية، فإن نجاحها يظل رهيناً بمدى توفير الشروط العملية الكفيلة بحسن تنزيلها، وفي مقدمتها تأهيل الموارد البشرية، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين في منظومة حماية الطفولة.
إن القانون 03.23 لا يمثل مجرد تعديل إجرائي، بل يعكس تحولاً نوعياً في فلسفة العدالة الجنائية بالمغرب، عنوانه الانتقال من منطق العقاب إلى منطق الإصلاح، ومن رد الفعل إلى الاستثمار في مستقبل الطفل باعتباره ركيزة أساسية لبناء مجتمع أكثر توازنا وعدالة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.