تغذية الحامل في المغرب… رهان صامت لصحة جيل كامل
في قلب السياسات الصحية بالمغرب، تبرز صحة الأم كأولوية لا تقبل التأجيل، ليس فقط لارتباطها المباشر بسلامة المرأة، بل لأنها تشكل حجر الأساس لصحة الأجيال القادمة. وبين مختلف محددات هذه الصحة، تظل تغذية المرأة الحامل عاملا حاسما، غالبا ما ينظر إليه كأمر ثانوي، رغم تأثيره العميق على مسار الحمل ونتائجه.
خلال فترة الحمل، لا يتعلق الأمر فقط “بالأكل أكثر”، بل “بالأكل بشكل أفضل”. فالجسم يحتاج إلى توازن دقيق بين الطاقة والعناصر الغذائية الأساسية لضمان نمو سليم للجنين وحماية الأم من مضاعفات قد تكون خطيرة. ومع ذلك، تكشف المعطيات أن شريحة واسعة من النساء، خاصة في البيئات الهشة، لا تستفيد من هذا التوازن، سواء بسبب محدودية الإمكانيات أو ضعف الوعي الغذائي.
في الواقع المغربي، تتداخل عدة عوامل لتشكّل صورة غير متجانسة لتغذية الحوامل. ففي الوقت الذي تتوفر فيه مائدة مغربية غنية ومتنوعة، قادرة نظريا على تلبية الحاجيات الغذائية، إلا أن الممارسات اليومية تحكي قصة مختلفة. إذ يطغى الاعتماد على الأغذية النشوية، مقابل استهلاك محدود للبروتينات الحيوانية والخضر والفواكه، ما ينعكس بشكل مباشر على نسب فقر الدم ونقص المغذيات الدقيقة.
وتزداد هذه التحديات حدة في الوسط القروي، حيث تتقاطع صعوبات الولوج إلى الخدمات الصحية مع محدودية التنوع الغذائي، إضافة إلى بعض التمثلات الثقافية التي قد تؤثر سلباً على تغذية الحامل. هذه الفوارق المجالية تعمّق من عدم تكافؤ الفرص الصحية، وتجعل من الحمل تجربة محفوفة بالمخاطر لدى فئات معينة.
ولا تقف آثار سوء التغذية عند حدود فترة الحمل، بل تمتد إلى ما بعدها، حيث ترتبط بنقص وزن المواليد، وارتفاع احتمالات الولادة المبكرة، بل وحتى باضطرابات في نمو الدماغ لدى الطفل. وهو ما يحول مسألة التغذية إلى قضية صحة عمومية بامتياز، تتطلب تدخلا يتجاوز القطاع الصحي ليشمل مختلف الفاعلين.
ورغم هذه التحديات، تظل الفرص قائمة. فالنظام الغذائي المغربي، إذا ما تم توجيهه بشكل سليم، قادر على توفير احتياجات الحامل بكلفة معقولة، من خلال أطباق تقليدية متوازنة مثل الكسكس بالخضر، والحريرة، والأسماك، إلى جانب التمور ومشتقات الحليب. غير أن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل هذا الإمكان إلى سلوك يومي واع.
إن تحسين تغذية المرأة الحامل لا يتحقق فقط عبر توزيع المكملات الغذائية، بل يتطلب بناء ثقافة صحية قائمة على التوعية، وتعزيز التتبع الطبي، وتكثيف القرب من النساء، خاصة في المناطق القروية. كما يفرض تنسيقا بين قطاعات متعددة، من التعليم إلى الإعلام، لضمان وصول الرسالة بشكل فعال.
في النهاية، لا يمكن فصل صحة الأم عن مستقبل المجتمع. فكل استثمار في تغذية الحامل هو استثمار مباشر في رأس المال البشري للبلاد. وبين التحديات والإمكانات، يبقى الرهان قائما: هل ننجح في تحويل التغذية من عادة يومية إلى سياسة عمومية ذات أثر مستدام؟
عن الدكتورة إيمان رفيق
المسؤولة الجهوية عن برنامج صحة الأم بالمديرية الجهوية للصحة و الحمايه الاجتماعيه
فاس مكناس