بين سلطة التعيين وشرعية الانتخاب: من يصنع حصيلة مكناس؟هل العامل أم المجلس؟؟
م.الخولاني
في كل دورة من دورات مجلس جماعة مكناس، يكاد يتكرر مشهد لغوي وسياسي واحد: “السيد العامل قام بكذا”، “السيد العامل تدخل في كذا”، “السيد العامل سهر على إخراج هذا المشروع”، إلى غير ذلك من العبارات التي تتردد على ألسنة الرئيس وأعضاء الأغلبية والمعارضة على حد سواء، مع استثناءات نادرة لا تكاد تذكر.
ليس في هذا القول انتقاص من دور ممثل السلطة الترابية؛ فـالعامل، بصفته ممثلا لوزارة الداخلية، يضطلع بمهام دستورية وقانونية واضحة، ويواكب المشاريع ويسهر على احترام القوانين وتنسيق تدخلات مختلف المصالح. ومن الطبيعي أن ينسب إليه ما قام به في حدود اختصاصه. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين حصيلة المنتخبين؟ وأين أثر الشرعية الانتخابية في صناعة القرار المحلي؟
الناخب المكناسي حين توجه إلى صناديق الاقتراع، لم يمنح صوته للعامل، بل منح ثقته لمنتخبين تعهدوا ببرامج ومشاريع ووعود. انتخب رئيسا وأغلبية ومعارضة ليدبروا شؤون المدينة، يقترحوا، يبتكروا، يدافعوا عن مصالح الساكنة، ويتحملوا مسؤولية اختياراتهم أمام الرأي العام. فإذا تحولت دورات المجلس إلى فضاء لتعداد تدخلات السلطة المعينة، فذلك يطرح إشكالا عميقا حول موقع المنتخبين في معادلة التدبير المحلي.
خذوا مثال دعم فريق النادي المكناسي (الكوديم)، أو إخراج مشاريع الطرقات، أو تنظيم مهرجان عيساوة، أو تتبع أوراش البنية التحتية. في كل مرة يقدم العامل باعتباره صاحب المبادرة أو الفضل الأول. حتى في مشروع تثنية الطريق الرابطة بين مكناس ووليلي، التي تعرف حوادث متكررة، ظهر رئيس المجلس في صور المعاينة والمواكبة، غير أن المتتبعين يعلمون أن الملف جاء في سياق توصيات مؤسسة تفتيش وملاحظات تقنية سابقة. وهنا يبرز سؤال آخر: هل دور المنتخب هو فقط الحضور في الصورة أم قيادة الفكرة منذ بدايتها؟
إن الإشكال لا يتعلق بصراع مؤسساتي بين العامل والمجلس، فالقانون حدد لكل طرف مجاله واختصاصه، بل يتعلق بصورة العمل السياسي المحلي أمام المواطنين. حين يسمع المواطن، في كل دورة، أن الفضل يعود إلى جهة معينة خارج المجلس، فمن حقه أن يتساءل:
ما الذي قدمه الرئيس وأغلبيته؟
ما الذي دافعت عنه المعارضة؟
أين هي المبادرات الذاتية للمجلس؟
وأين هي الحصيلة التي يمكن عرضها بثقة أمام الساكنة؟
العمل الجماعي الناجح يفترض التكامل، لا التماهي. العامل يؤدي دوره في إطار سلطة التعيين، بينما يتحمل المنتخبون مسؤولية التدبير في إطار شرعية الانتخاب. وإذا اختل هذا التوازن في الخطاب والممارسة، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام تكون سلبية: مجلس ينتظر الإشارة، بدل أن يقود المبادرة.
مكناس، بتاريخها ومكانتها، تستحق نقاشا سياسيا أرقى من مجرد تبادل عبارات الشكر والثناء. تستحق وضوحا في الأدوار، وجرأة في تحمل المسؤولية، وشفافية في عرض المنجزات. فالمحاسبة لا تكون إلا على ما هو من صنع المنتخبين، لا على ما ينسب إلى غيرهم.
وفي النهاية، ليس المطلوب تقليص دور العامل أو التقليل من جهوده، بل إعادة الاعتبار لدور المجلس الجماعي، حتى يصبح فضاء حقيقيا لصناعة القرار المحلي، لا منصة لتلاوة حصيلة جهة أخرى.
فالمدن تبنى بتكامل المؤسسات، لكن الثقة تبنى بالوضوح وتحمل المسؤولية.