اذا أراد لبنان أن يكون جريئا

0 50

د. راشد الشاشاني

السياسة زعيم ومغامرة ، إنّها ليست بموظّف وإدارة …

ضربة فتراجع ؛ إنّها فكرة سرقة شرعية ما أُخذ ، وفكرة القضم التي تحدثنا عنها قبل نحو عامين و التي تنتهجها إسرائيل ، كي تتحوّل نقطة الوصول هذه ، إلى محطّة الوقوف لا التوقّف ” المشكور ” من قبل الخصم ، ومنطق الأهداف التي ظفر بالفوز بها . كما سبق أن قلنا : إن الضربة أمريكية وليست إسرائيلية ، سيّما بعد السيطرة على قلعة الشقيف ، لكنّ فواصل هذه الأحداث التي غابت عن نظر المراقبين تصرّح : بأنّ ترامب يجرّب قدرات نتنياهو ؛ بعد إحباطه من نتائج الإعتماد عليها ، في حين يحاول نتنياهو إثبات جدارته أمام ترامب لتنفيذ مهمّاته ، وهو ما يقودنا إلى التنويه : إنّنا لم نتفق لحظة مع فرضيّات تبعيّة ترامب لأهواء نتنياهو التي يدين بها الجميع.

لم يصل حدّ التنسيق بين ترامب ونتنياهو ” بحكم طبيعة الأشياء والمواقع ” إلى حدّ استيعاب نتنياهو لمحاولات إسقاط نتنياهو ذاته ، التي تعمّق أزمة ترامب من جانب آخر ؛ بفعل ضغط الديمقراطيين من أجل تحقيق هذا الاسقاط مع دعم تحالف بينيت – لابيد ؛ قد تكون التسريبات حول تفاصيل مكالمته مع ترامب ؛ قد تمّت بفعل قوة كهذه ، إن لم تكن من ترتيب الديمقراطيّين ذاتهم .

بالعودة إلى ترتيبات ترامب ؛ التي تعتمد في هذه المراحل ضرب إيران في خاصرة لبنان ؛ بطريقة إطلاق يد نتنياهو للحظة تحدّها عين المراقبة قبل لجمها بتوقيت محدّد ، اختار ترامب التعامل مع مشهد التفتيت هذا بطريقة استغربها الجميع ؛ من خلال التواصل ـ ولو بطريقة غير مباشرة ـ مع حزب الله ؛ الذي يصنّفه منظمّة إرهابيّة بواسطة نبيه برّي ؛ لا باعتباره رئيسا لمجلس النوّاب ، بل باعتباره وكيلا لحزب الله لا حليفا له ، هنالك بالتأكيد فارق كبير بينهما لا مجال لتفصيله .

أمام عدم قدرة برّي على ضبط حزب الله – وفقا لما يعرفه ترامب وخلافا لما صرّح به برّي ذاته – ذهب ترامب في هذا الإتجاه ساعيا خلف شقّ الصفّ الدولي الداعم لملفّ لبنان ، بخاصّة السعوديّة ، مصر ، وقطر ، متوسّلا في ذلك : اختيار طريقة كهذه ؛ تضمن عزل برّي وحيدا منفصلا ؛ بحكم – طبيعة سير الأمور – عن حزب الله اوّلا ، ومحور الدعم العربي ثانيا ؛ بحيث لا يمكنه الرجوع عودة إلى الوراء بعد تقدّم هذا المسار ، وما يعنيه كلّ هذا التركيب من فصل إيران عن كلّ محاولات تجميع الحلفاء ، أو بالأقلّ قدرتها على إبعاد حلفاء الولايات المتحدة عنها .

لقد غافل ترامب العالم الذي ظنّ أنّه يريد إنقاذ مسار التفاوض مع إيران ؛ بضبط سلوك نتنياهو من خلال صيغةٍ سحب فيها قبولا جزئيّا بتنازل كلّيٍّ من قبل حزب الله عن جانب ما ؛ وهو ما قلناه قبل عامين ، علاوة على أنّه فوّت على إيران ؛ فرصة الوقوف في مكان أبعد من مكان حصارها الحالي ، الذي تقف فيه عاجزةً عن تحريك مشهدها ، وهي تنتظر حركة كهذه تسير بها فوق أخطاء ترامب .

لهذا ؛ ليس غريبا أن تهدّد بوقف تبادل الرسائل مع واشنطن ، لكنّ الغريب أنّ الدولة في لبنان لم تفعل ذلك ، وهي تسال الجميع عن أوراق قوّتها ؛ في ذات الوقت الذي تحمل فيه هذه الأوراق بين يديها ، فلو أنّ الدولة اللبنانيّة استخدمت حِذق السياسة ، وانتهزت فرصة السيطرة على قلعة الشقيف ؛ وقرّرت وقف عمليّة التفاوض ، وأعلنت في ذات الوقت : عن بدء عمليّات سحب سلاح حزب الله فورا ؛ لكانت غيّرت – خلال ساعات معدودة – وجه سير العمليّة كاملة ؛ سيّما مع تعبيد الطريق الوعر ، أمام المدّ الدوليّ ، الذي تعثّر في وعورة طريق المناورات وتلوّن المواقف .

في نصيحة جديدةٍ يمكننا توجيهها إلى الرئيس اللبنانيّ نقول : انتهز هكذا فرص ، ولو احتاج الأمر تنسيقا مع المحيط ، أو حتى حزب الله ذاته ، لكن وفقا لأصول السياسة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.