علاش ما وليتيش حرامي؟ 

0 327

عادل عزيزي

 

تساءل الولد مستنكرا متذمرا بعد أن رفضت للمرة العاشرة طلبا آخر من طلباته “المشروعة” الكثيرة متذرعا بقلة ذات اليد، وناهرا إياه بالعبارة المكررة التي كنت أنهي بها هذا النقاش، “منين غنجيبلاك هاد الفلوس… واش بغيتيني نمشي نسراق؟!”، “كو كونت شفار ، كان أحسن؟!، هكذا همهم الولد..!”، ثم قالها بعفوية طفولية صادقة، “بابا، علاش ما وليتيش حرامي؟”، فولدي كباقي الأطفال يرون الحرامية “اللصوص” في الرسوم المتحركة بطريقة مختلفة تماما، أبطالا، أذكياء، وسريعين، يتجاوزون العقبات ويحققون أحلامهم بلا قيود..

سؤال بسيط، لكنه أفحمني، ودفعني إلى مستنقع تأملات ثقيلة، لماذا فعلا لا أكون حراميا، واستعذت من الشيطان الرجيم عندما ضبطت نفسي متلبسا بتهمة مراودة نفسي عن نفسي، لكنني لم أستطع أن أمنع “نفسي الأمارة بالسوء” من الانجراف وراء الفكرة التي بدت معقولة، بل ومعقولة جدا إذا نظرنا إلى ما يدور حولنا في هذا الواقع الذي يكاد يصبح حكرا على الحرامية من مختلف الأشكال والألوان.

فالحرامية اليوم ليسوا مطاردين ولا منبوذين، بل محترمون، موقرون، تحيط بهم الألقاب الرنانة، وينعمون بالثراء والحماية، بينما نحن… مجرد مواطنين مسحوقين..!

الحرامية أذكياء، عمليون، بارعون في التكيف، ناجحون في السياسة والمال والفن والرياضة، لا يطالهم القانون، متفائلون دائما، يضحكون، يمزحون، ولا يعرفون اليأس..

وأنا غارق في هذه الأفكار، تذكرت حكاية قديمة اسمحولي أن أشاركها معكم تقول الحكاية،

يحكى أن حراميا لبس ملابس شيخ جليل ومحترم ودخل إلى محل ذهب، وحين رأى الصائغ الشيخ الجليل ووجهه يشع نورا أحس بالهيبة والوقار.

رحب الصائغ بالشيخ، قال الشيخ، ممكن أن تساهم معنا من كرمك لبناء مسجد ولو بدرهم.. فأعطاه الصائغ بعض الدراهم.. وفي هذه الأثناء دخلت إلى المحل فتاة كان قد اتفق الشيخ معها مسبقا فرحبت بالشيخ وقالت له، كيف حالك يا شيخنا.. فجاوبها بالحسن.

أشارت الفتاة إلى الصائغ بكون الشيخ معروف ومشهور وذو علم غزير ومحبوب ومحترم وذو بركة.

اعتذر الصائغ من الشيخ وقال له اعذرني يا شيخ لكوني لم أتعرف عليك.

قال الشيخ للصائغ، خذ هذا المنديل وامسح به وجهك وبعد أيام قليلة سيجلب لك البركة والرزق من حيث لا تدري.

أخذ الصائغ المنديل بكل قدسية ووقار وقبلها وشمها ومسح وجهه فأغمي عليه في الحال آنذاك قام الشيخ والفتاة بسرقة المحل بما خف وزنه وغلى ثمنه وغادروا …

مرت خمس سنوات على الواقعة حضر رجلين يرتديان زي الشرطة إلى محل الصائغ وكان رفقتهما الشيخ مصفد اليدين فرح الصائغ بهذا الموقف.

آنذاك تقدم الشرطي نحو الشيخ وطلب منه إعادة تمثيل الجريمة والطريقة التي استعملها وبعدما وصل إلى مرحلة المنديل قام بتقديم المنديل مجددا إلى الصائغ وفي تلك اللحظة أغمي على الصائغ وقام الشيخ بسرقة المحل مجددا بمساعدة من مرافقيه الذين كانوا قد تنكروا في لباس الشرطة.

وهكذا هو حال أوطاننا، كل خمس سنوات يأتينا السارق ليسرق خيرات الوطن … كل فترة بسيناريو جديد وبلباس جديد وهيئة مختلفة و… و… وفي النهاية نفس اللصوص.

أفقت من شرودي، ونظرت إلى صورتي في المرآة، وسألت نفسي بصدق، “بالله عليك… هذا وجه حرامي؟”

توصلت أخيرا إلى نتيجة واضحة، أنا لا أصلح لهذه المهنة المريحة، المربحة، المحترمة… مهنة الحرامية، وسأظل، على ما يبدو، مواطنا فاشلا حتى إشعار آخر.

وطوبى لكم أيها الحرامية.. يا سادة العصر وكل عصر.. أما أنتم أيها الشرفاء، أعني الفاشلين العاجزين، فاذهبوا الى الجحيم، نعم الى الجحيم تحديدا، فالحرامية قد سبقوكم إلى ملكوت السماء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.