السياقة الاستعراضية بالدراجات النارية بالمغرب.. استهتار بالأرواح يستوجب الحزم والتعبئة الوطنية

0 1

بقلم: محمد العربي القباج

أصبحت ظاهرة السياقة الاستعراضية بالدراجات النارية من السلوكيات المقلقة التي تستدعي اهتماماً وطنياً متزايداً، بالنظر إلى ما تشكله من تهديد مباشر للسلامة الطرقية، وما تعكسه من استهتار بقواعد السير وبحق المواطنين في التنقل الآمن داخل الشوارع والأحياء السكنية.

ففي عدد من المدن والمناطق المغربية، تتنامى مظاهر السياقة المتهورة والاستعراضية، من خلال السرعة المفرطة، والقيام بحركات بهلوانية بالدراجات النارية، وإصدار ضجيج مزعج، والتجاوزات الخطيرة، فضلاً عن استعمال بعض الدراجات بطرق لا تحترم شروط السلامة والتجهيزات القانونية. وهي ممارسات لا تعرض أصحابها للخطر فحسب، بل تهدد حياة الراجلين ومستعملي الطريق، بمن فيهم الأطفال وكبار السن.

إن الأمر لم يعد يتعلق بمجرد مخالفات عادية لقانون السير، بل بسلوكيات قد تتحول إلى حوادث مأساوية تخلف ضحايا وخسائر مادية ونفسية واجتماعية. ومن غير المقبول أن تتحول الطرق والشوارع والأحياء السكنية إلى فضاءات للاستعراض والمغامرة، على حساب أمن المواطنين وطمأنينتهم.

الحزم وتطبيق القانون دون تساهل

إن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي تدخلاً أمنياً أكثر فعالية وانتظاماً، من خلال تعزيز دوريات المراقبة، وتوسيع تدخلات فرق الدراجين التابعة للأمن الوطني والدرك الملكي، حسب الاختصاص والمجال الترابي، مع تكثيف المراقبة بمختلف المحاور الطرقية والأحياء السكنية والنقط التي تعرف انتشار هذه السلوكيات.

كما يتعين التطبيق الصارم للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل في حق المخالفين، واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن الدراجات التي لا تستجيب للشروط القانونية أو تستعمل في ممارسات خطيرة، بما في ذلك الحجز وفق المساطر المعمول بها، وعدم التساهل مع كل من يعرض حياة الآخرين للخطر.

فهيبة القانون لا يمكن أن تظل مجرد شعارات، بل ينبغي أن تترجم إلى إجراءات ملموسة تضمن المساواة أمام القانون وتحمي الحق في السلامة والأمن.

ولا يمكن إغفال مسؤولية الأسر في هذه القضية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقاصرين يستعملون الدراجات النارية دون السن القانونية أو دون التوفر على الشروط اللازمة للقيادة. فالتساهل مع هذه السلوكيات قد تكون له عواقب خطيرة، مما يستوجب تعزيز دور الأسرة في التربية والتوجيه والمراقبة، وترسيخ ثقافة احترام القانون لدى الناشئة.

كما أن المدرسة وجمعيات المجتمع المدني مطالبة بدورها بالمساهمة في نشر الوعي بمخاطر السياقة المتهورة، وإشراك الشباب في مبادرات تربوية وتحسيسية تجعل من السلامة الطرقية سلوكاً يومياً وثقافة مجتمعية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي ينبغي أن يضطلع به الإعلام الوطني، بمختلف مكوناته، من خلال تخصيص برامج ولقاءات ونقاشات تلفزيونية وإذاعية وصحفية حول هذه الظاهرة، واستضافة المسؤولين الأمنيين وخبراء السلامة الطرقية والفاعلين الجمعويين، لتوضيح المخاطر والعواقب القانونية والإنسانية للسياقة الاستعراضية.

إننا في حاجة إلى حملة وطنية مستمرة، لا تقتصر على التحذير من الحوادث، بل تعمل على تغيير العقليات والسلوكيات، وإقناع الشباب بأن الاستعراض الحقيقي يكمن في احترام القانون والمحافظة على الحياة، وليس في المغامرة بأرواحهم وأرواح الآخرين.

إن مواجهة هذه الظاهرة تستوجب اعتماد مقاربة وطنية مندمجة تجمع بين المراقبة الأمنية والزجر القانوني والتربية والتحسيس، مع تعزيز التنسيق بين القطاعات والمؤسسات المعنية، وتقييم الإجراءات المتخذة لضمان فعاليتها واستمراريتها.

فالمطلوب ليس التضييق على مستعملي الدراجات النارية الملتزمين بالقانون، وإنما حماية حقهم وحق جميع المواطنين في استعمال الطريق بأمان، والتصدي للسلوكيات التي تحول وسيلة للنقل إلى مصدر للخطر والفوضى.

إن حماية الأرواح مسؤولية لا تقبل التأجيل، والتسامح مع الاستهتار بقواعد السلامة الطرقية قد تكون كلفته باهظة. لذلك، فإن المطلوب اليوم هو التعامل مع السياقة الاستعراضية باعتبارها قضية سلامة عامة تستوجب تعبئة وطنية، وتطبيقاً حازماً للقانون، ومشاركة فعالة للإعلام والأسرة والمدرسة والمجتمع المدني.

فلا تنمية دون أمن، ولا مواطنة دون مسؤولية، ولا حرية في استعمال الطريق على حساب حياة الآخرين. ومن يستهتر بأرواح المواطنين يجب أن يواجه القانون بحزم، لأن حياة الإنسان تظل أغلى من كل استعراض ومغامرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.