الصحراء المغربية.. انتهاء ولاية المينورسو لا ينهي حقيقة التاريخ ولا يغيّر ثوابت السيادة الوطنية
بقلم: محمد العربي القباج
يشكل انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، ابتداء من فاتح نونبر 2026، تطوراً مهماً في مسار هذا النزاع الإقليمي الذي استمر لأكثر من خمسة وثلاثين سنة. غير أن هذا التطور، على أهميته السياسية والدبلوماسية، يستدعي قراءة متأنية ومسؤولة، بعيداً عن المبالغة في تفسير مضامين البيان الصادر عن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أو التعامل معه باعتباره إعلاناً عن نهاية الملف بصورة نهائية.
إن الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة يقتضي التمييز بين انتهاء مهمة أممية كانت قائمة منذ سنة 1991، وبين التسوية السياسية النهائية للنزاع، التي تظل مرتبطة بمسار المفاوضات والقرارات الأممية ذات الصلة.
لقد تأسست بعثة المينورسو بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690 لسنة 1991، في سياق ترتيبات وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء لم يتمكن المجتمع الدولي من تنظيمه بسبب الخلافات المرتبطة بشروطه ومعايير تحديد الهيئة الناخبة. وفي 31 أكتوبر 2026، لم يتمكن مجلس الأمن من التوصل إلى توافق بشأن تجديد ولاية البعثة، بعد تعثر مشروعي القرار الأمريكي والروسي، وهو ما أدى إلى انتهاء ولايتها وبدء مرحلة تصفية عملياتها وانسحاب مكوناتها.
والبيان الصادر عن الأمين العام، بتاريخ فاتح نونبر، عبّر عن تقديره للدور الذي قامت به البعثة، ودعا الأطراف إلى التعاون من أجل تدبير مرحلة إنهاء عملياتها، مع التأكيد على استمرار التزام الأمم المتحدة بالبحث عن حل سياسي عادل ودائم ومقبول. وهنا ينبغي التأكيد أن انتهاء ولاية بعثة أممية لا يعني تلقائياً انتهاء النزاع الذي أنشئت في سياقه، كما لا يشكل حكماً جديداً بشأن السيادة على الصحراء المغربية.
إن التطور الأهم الذي ينبغي استحضاره هو ما تضمنه قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025، الذي مدد ولاية المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026، وفي الوقت نفسه أكد دعمه للمبعوث الشخصي للأمين العام في تيسير المفاوضات، على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي. كما أشار القرار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق، ودعا الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات دون شروط مسبقة، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول.
وهذا التطور يعكس المكانة المتقدمة التي أصبحت تحتلها المبادرة المغربية في النقاش الأممي، باعتبارها تصوراً واقعياً لتسوية النزاع، يضمن تدبير الشؤون المحلية في إطار السيادة المغربية، ويتيح لسكان الأقاليم الجنوبية المشاركة في تدبير مؤسساتهم وتنميتها.
ومن ثم، فإن مسؤوليتنا الوطنية تقتضي مواصلة العمل الدبلوماسي والسياسي لتوسيع الدعم الدولي لهذا المقترح، وتحويل الزخم الذي راكمته المملكة إلى خطوات عملية تخدم التسوية النهائية.
إن البيان الأممي الأخير يؤكد أن الأمم المتحدة ستواصل دعم المساعي السياسية من خلال الأمين العام ومبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا. وهذا يعني أن الملف لم يغادر جدول الاهتمام الأممي، وأن المرحلة المقبلة تتطلب يقظة دبلوماسية مغربية أكبر، خصوصاً في ما يتعلق بتوضيح الأسس التاريخية والقانونية والسياسية للموقف الوطني، والتصدي لكل محاولة لاستغلال انتهاء مهمة المينورسو لتقديم تأويلات تخدم أطروحات الانفصال.
كما أن الدعوة الأممية إلى احترام حقوق سكان الصحراء لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها موقفاً موجهاً ضد المغرب، بل باعتبارها التزاماً عاماً يتعين على جميع الأطراف احترامه. فالمغرب، الذي جعل من التنمية والاندماج المؤسساتي وتحسين ظروف العيش بالأقاليم الجنوبية خياراً استراتيجياً، مطالب بمواصلة تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية لجميع المواطنين، وترسيخ المشاركة الديمقراطية في تدبير الشأن المحلي.
إن قضية الصحراء المغربية ليست مجرد ملف دبلوماسي أو موضوعاً للتجاذب السياسي، بل هي قضية وطنية جامعة تتطلب تعبئة المؤسسات والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني والكفاءات الوطنية، كل من موقعه. ولذلك، فإن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من منطق الاحتفاء بالتطورات الدبلوماسية إلى منطق استثمارها في عمل مؤسساتي متواصل، يقوم على تقوية الجبهة الداخلية، وتعزيز التنمية المستدامة بالأقاليم الجنوبية، وتوسيع المشاركة السياسية، والإنصات إلى انتظارات المواطنين.
كما أن مواجهة الأطروحات المناوئة للوحدة الترابية لا تكون فقط بالخطاب السياسي، وإنما أيضاً بتقديم نموذج تنموي وديمقراطي يترجم على أرض الواقع معنى المواطنة الكاملة والعدالة المجالية والكرامة الإنسانية.
لا يمكن قراءة التحولات التي تعرفها قضية الصحراء المغربية دون الوقوف عند الرؤية الاستراتيجية وبعد النظر اللذين ميزا تدبير جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، لهذا الملف الوطني. فمنذ تقديم المبادرة المغربية للحكم الذاتي سنة 2007، اختار جلالته مساراً سياسياً ودبلوماسياً يقوم على الواقعية والوضوح والصبر الاستراتيجي، واضعاً مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره حلاً سياسياً جدياً وذا مصداقية، يضمن لسكان الأقاليم الجنوبية تدبير شؤونهم المحلية في إطار الوحدة الوطنية والسيادة الكاملة للمملكة.
لقد أثبت تطور المواقف الدولية أن هذا الاختيار لم يكن وليد ظرف سياسي عابر، بل ثمرة رؤية استباقية استوعبت التحولات الجيوسياسية ومتطلبات الشرعية الدولية، وراهنت على بناء الدعم الدولي تدريجياً، من خلال الحوار والشراكات والتحرك الدبلوماسي المتواصل. وتبرز أهمية هذه المقاربة في اتساع دائرة الدول الداعمة للمبادرة المغربية، وما أعلنه بلاغ الديوان الملكي يوم 30 أكتوبر 2026 بشأن تأييد أكثر من ثلثي الدول الأعضاء بالأمم المتحدة للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
إن الرهان الملكي لم يكن فقط على كسب مواقف دبلوماسية، بل على الانتقال من تدبير نزاع طال أمده إلى بناء أفق سياسي وتنموي مستدام، يجعل من الأقاليم الجنوبية فضاءً للتنمية والاستقرار والاندماج الإفريقي.
إن دينامية الدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي لا يمكن فصلها عن الرؤية الاستراتيجية وبعد النظر اللذين ميزا تدبير جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لقضية الصحراء المغربية. فقد راهن جلالته، منذ إطلاق هذه المبادرة سنة 2007، على حل سياسي واقعي وذي مصداقية، يجمع بين احترام السيادة الوطنية والاستجابة لتطلعات سكان الأقاليم الجنوبية في تدبير شؤونهم، بعيداً عن منطق التصعيد والجمود.
لقد أكدت التحولات الدبلوماسية المتلاحقة أن الرؤية الملكية لم تكن مجرد دفاع عن الوحدة الترابية، بل مشروعاً متكاملاً لبناء مستقبل يسوده السلام والاستقرار والتعاون والتنمية. ومن هذا المنطلق، لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد ملف نزاع إقليمي، بل أصبحت مدخلاً لفتح آفاق جديدة للتكامل المغاربي والإفريقي، وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
إن حكمة القيادة الملكية تكمن في تحويل الدفاع عن الوحدة الترابية من معركة لتثبيت الحقوق المشروعة إلى رؤية لبناء المستقبل؛ مستقبل تكون فيه الأقاليم الجنوبية نموذجاً للتنمية والازدهار، وجسراً للتواصل والتعاون بين المغرب وعمقه الإفريقي. فالوحدة الترابية ليست فقط قضية سيادة وانتماء، بل هي أيضاً مشروع سلام واستقرار وتنمية، والأفق الذي تتطلع إليه المملكة تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله.