نهائية القرار الاستئنافي بشأن الاختصاص النوعي: بين استقرار الأحكام وحق الطعن بالنقض

0 7

 

نهائية القرار الاستئنافي الصادر بشأن الدفع بعدم الاختصاص النوعي في ضوء المادة 27 من قانون المسطرة المدنية الجديد: هل يتعلق الأمر بتحصين مطلق للاختصاص أم بتقييد لإمكانية إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض؟

 

بقلم الأستاذ أشرف بومسيس

محام بهيئة الرباط

 

 

من المستجدات التي جاء بها قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25، في إطار تنظيمه لقواعد الاختصاص النوعي، ما قررته المادة 27 بشأن القرار الصادر عن محكمة الدرجة الثانية في موضوع الدفع بعدم الاختصاص النوعي، حيث نصت على عدم قابليته لأي طعن، عاديا كان أو غير عادي، فضلا عن منع إثارة هذا الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض.

ولئن كان هذا المقتضى يبدو، من الوهلة الأولى، واضحا من حيث تقرير نهائية القرار الاستئنافي الصادر بشأن الاختصاص النوعي، فإن التعمق في أبعاده القانونية يثير إشكالا يتجاوز مجرد تحديد طرق الطعن في هذا القرار، ليمتد إلى التساؤل حول مدى إمكانية إعادة مناقشة مسألة الاختصاص أمام محكمة النقض، متى صدر الحكم الفاصل في موضوع النزاع، خاصة عندما يكون الطرف المعني قد سبق له التمسك بعدم الاختصاص النوعي خلال مراحل التقاضي أمام محاكم الموضوع.

فهل يمكن تفسير نهائية القرار الاستئنافي، كما وردت في المادة 27، باعتبارها تحصينا مطلقا لمسألة الاختصاص النوعي، بما يجعلها بمنأى عن رقابة محكمة النقض حتى وإن سبق التمسك بها أمام محاكم الموضوع؟ أم أن المقصود من هذا المقتضى يقتصر على منع إثارة الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض، دون أن يمتد إلى حرمان الطرف الذي سبق له التمسك به من الاستناد إليه ضمن أسباب الطعن بالنقض، وفقا للمادة 381 من القانون نفسه؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي، في تقديرنا، عدم الوقوف عند القراءة الحرفية للمادة 27 بمعزل عن باقي المقتضيات المنظمة لأسباب الطعن بالنقض، وإنما يتعين استحضار العلاقة القائمة بينها وبين المادة 381، التي أدرجت عدم الاختصاص ضمن الأسباب التي يمكن تأسيس الطعن بالنقض عليها، وهو ما يفرض ضرورة التوفيق بين المقتضيين بما يضمن عدم إفراغ أي منهما من مضمونه.

فالثابت أن المشرع، من خلال المادة 27، سعى إلى إقرار مسطرة خاصة ومستقلة للبت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي، قوامها الحسم المبكر في الجهة القضائية المختصة بالنظر في النزاع، من خلال إلزام محكمة الدرجة الأولى بالبت فيه بموجب حكم مستقل، مع إتاحة إمكانية استئناف هذا الحكم، وإلزام محكمة الدرجة الثانية بالبت فيه داخل أجل محدد، قبل أن يضفي على قرارها الصادر في هذا الشأن صبغة النهائية، بمنعه من أي طعن، عاديا كان أو غير عادي.

ولا شك أن هذا التوجه التشريعي يجد مبرره في الرغبة في تفادي إطالة أمد الخصومة بسبب المنازعات المتعلقة بالاختصاص، وضمان عدم استمرار التقاضي أمام محكمة قد يتبين لاحقا أنها غير مختصة نوعيا، بما قد يترتب عن ذلك من هدر للزمن القضائي وإعادة الإجراءات والمراحل المسطرية.

غير أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بمدى نهائية القرار الاستئنافي، باعتبار أن المشرع حسم هذه المسألة بشكل صريح، وإنما يتعلق بنطاق هذه النهائية وحدود آثارها، وهل تنصرف إلى القرار باعتباره مقررا قضائيا مستقلا لا يقبل الطعن، أم أنها تمتد إلى مسألة الاختصاص ذاتها، بما يؤدي إلى تحصينها بصورة مطلقة من أي مناقشة لاحقة أمام محكمة النقض.

وفي هذا السياق، يبدو من الضروري التمييز بين حالتين تختلفان من حيث الأساس القانوني والنتيجة المترتبة عنهما.

تتعلق الحالة الأولى بالوضعية التي لم يسبق فيها للطرف المعني أن أثار الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام محاكم الموضوع، سواء تعلق الأمر بعدم التمسك به أمام محكمة الدرجة الأولى، أو بعدم إثارته خلال المرحلة الاستئنافية، ثم عمد إلى إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض بعد صدور القرار الفاصل في موضوع النزاع. ففي هذه الحالة، لا يطرح أي إشكال بشأن عدم قبول الدفع، اعتبارا للمقتضى الصريح للمادة 27 التي منعت إثارة عدم الاختصاص النوعي لأول مرة أمام محكمة النقض.

ذلك أن محكمة النقض ليست درجة ثالثة للتقاضي، ولا يجوز تحويلها إلى محكمة تعرض عليها دفوع لم يسبق عرضها على محاكم الموضوع، خاصة عندما يتعلق الأمر بدفع أخضعه المشرع لمسطرة خاصة تستوجب إثارته والبت فيه بصورة مستقلة وفي مرحلة مبكرة من الخصومة.

أما الحالة الثانية، وهي الأكثر دقة من الناحية القانونية، فتتعلق بالوضعية التي سبق فيها للطرف المعني أن تمسك بالدفع بعدم الاختصاص النوعي خلال مرحلتي التقاضي، ابتدائيا واستئنافيا، غير أن المحكمة انتهت إلى التصريح باختصاصها ومواصلة النظر في موضوع النزاع، إلى حين صدور الحكم الفاصل فيه.

ففي هذه الحالة، لا نكون أمام دفع يثار لأول مرة أمام محكمة النقض، وإنما أمام سبب قانوني سبق عرضه على محاكم الموضوع، وأصبح جزءا من المناقشة القضائية التي خضع لها النزاع خلال درجات التقاضي.

ومن هنا تبرز أهمية المادة 381، التي أدرجت عدم الاختصاص ضمن أسباب الطعن بالنقض، إذ لا يستقيم، في تقديرنا، إقرار هذا السبب بموجب نص تشريعي، ثم تفسير المادة 27 على نحو يؤدي إلى إقصائه بصورة مطلقة كلما تعلق الأمر بالاختصاص النوعي، دون التمييز بين الدفع الذي لم يسبق إثارته، والدفع الذي سبق التمسك به أمام محاكم الموضوع.

فإذا كان المشرع قد منع إثارة الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض، فإن هذا المنع لا ينبغي أن يمتد تلقائيا إلى الحالة التي يكون فيها الطرف قد تمسك به سابقا، لأن الأمر يتعلق حينئذ بإعادة عرض سبب قانوني سبق طرحه ومناقشته أمام قضاة الموضوع، وليس بإحداث دفع جديد في مرحلة النقض.

غير أن هذه القراءة تستدعي بدورها تدقيقا أساسيا، يتمثل في التمييز بين مجرد سبق إثارة الدفع أمام محاكم الموضوع، وبين صدور قرار استئنافي مستقل حسم فيه بصورة نهائية. ذلك أن نهائية القرار الاستئنافي المقررة بموجب المادة 27 لا يمكن إهدارها بمجرد نقل المناقشة بشأن الاختصاص إلى مرحلة الطعن في الحكم الفاصل في الموضوع، إذا كان المقصود من ذلك هو إعادة الطعن في المسألة ذاتها التي سبق حسمها بقرار غير قابل لأي طعن.

وبعبارة أخرى، ينبغي التمييز بين الطعن غير المباشر في القرار الاستئنافي المستقل الصادر بشأن الاختصاص، وهو ما يتعارض مع صراحة المادة 27، وبين التمسك بسبب مستقل من أسباب النقض يتعلق بخرق قواعد الاختصاص، لم يسبق أن كان موضوعا للحسم النهائي بموجب ذلك القرار.

ومن ثم، فإن مجرد سبق إثارة الدفع أمام محكمة الدرجة الأولى لا يكفي وحده للقول بإمكانية إعادة طرحه أمام محكمة النقض، إذا كان الحكم الصادر بشأنه قد استؤنف وصدر قرار استئنافي نهائي حسم المسألة. كما أن عدم استعمال طريق الاستئناف المتاح قانونا ضد الحكم المستقل بشأن الاختصاص لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتجاوز النهائية التي قررها المشرع للقرار الاستئنافي.

وعليه، فإن القراءة المتكاملة للمادتين 27 و381 تقتضي عدم الخلط بين منع إثارة الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض، وبين نطاق رقابة محكمة النقض على أسباب الطعن المتعلقة بالاختصاص، مع ضرورة احترام الحجية والنهائية اللتين أضفاهما المشرع على القرار الاستئنافي المستقل.

إن الغاية من هذا التمييز ليست التضييق من مجال رقابة محكمة النقض، ولا توسيع نطاق النهائية على نحو يجعلها بمثابة حصانة مطلقة لكل ما يتعلق بالاختصاص النوعي، وإنما إيجاد توازن بين مقتضيات استقرار المراكز القانونية وحسن سير العدالة من جهة، وضرورة احترام قواعد الاختصاص وضمان خضوع الأحكام القضائية لرقابة محكمة النقض من جهة أخرى.

ولعل ما يستحق إثارة النقاش في هذا الصدد هو أن المشرع، عندما قرر عدم قابلية القرار الاستئنافي الصادر بشأن الدفع بعدم الاختصاص النوعي لأي طعن، يكون قد اختار الحسم السريع والنهائي في هذه المسألة، غير أن هذا الاختيار يطرح تساؤلا جوهريا حول مدى اتساع هذا التحصين، خاصة في الحالات التي قد يتبين فيها لاحقا أن الحكم الفاصل في الموضوع تأسس على تطبيق غير سليم لقواعد الاختصاص النوعي.

وهنا تبرز الحاجة إلى اجتهاد قضائي يحدد بدقة الحدود الفاصلة بين ما يدخل في نطاق النهائية المقررة بموجب المادة 27، وما يظل خاضعا لرقابة محكمة النقض في إطار المادة 381، حتى لا تتحول النهائية الإجرائية إلى وسيلة لإهدار الضمانات المرتبطة بالتنظيم القضائي، وفي الوقت نفسه لا تصبح رقابة النقض مدخلا لإعادة مناقشة قرارات حسمها المشرع بصورة نهائية.

وخلاصة القول، إن المستجد الذي جاءت به المادة 27 لا ينبغي أن يفهم باعتباره إلغاء مطلقا لإمكانية التمسك بعدم الاختصاص النوعي أمام محكمة النقض، كما لا يصح تفسيره باعتباره مجرد منع شكلي لإثارة الدفع لأول مرة، دون ترتيب أي أثر على القرار الاستئنافي الذي سبق أن حسم فيه؛ وإنما يتعين استحضار طبيعة القرار الصادر بشأن الدفع، ومدى استنفاد طرق الطعن المقررة بشأنه، ونطاق المسألة التي حسمها.

فبين منع إثارة الدفع لأول مرة أمام محكمة النقض، ونهائية القرار الاستئنافي الصادر بشأنه، وبين بقاء عدم الاختصاص ضمن أسباب الطعن بالنقض بموجب المادة 381، تتحدد الإشكالية الحقيقية التي يطرحها التنظيم الجديد، وهي إشكالية تستحق نقاشا فقهيا وقضائيا معمقا، بالنظر إلى آثارها المباشرة على ضمانات التقاضي وعلى التوازن بين سرعة البت في المنازعات واحترام قواعد الاختصاص النوعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.