تاونات.. حكاية سيدة “منظفة” أفنت عمرها في مندوبية الصحة، ثم كان مصيرها الإهمال و الطرد
عادل عزيزي
خمسون سنة من العمل الشاق، من حمل المكانس والدلاء، من تنظيف الممرات قبل أن يستيقظ الجميع، ومن مغادرة العمل بعد أن يغادر آخر موظف.
خمسون سنة من العرق والتعب، قضتها “مي عايشة” كما كان يناديها الأطر الصحية والإدارية، وهي تشتغل كمنظفة في المستشفى القديم بتاونات، ثم لاحقا بمقر مندوبية الصحة بتاونات، دون كلل أو ملل، ودون أن تشتكي أو تطلب سوى العيش بكرامة.
خمسون سنة من العمل، ليست زمنا عابرا يمكن طيه بسهولة، نصف قرن من الكد اليومي، من الأعمال الشاقة التي لا يراها أحد إلا حين تهمل.
مرت السنوات، وانحنى الجسد الذي أنهكته عقود من العمل، واشتعل الرأس شيبا، وحين وصلت “مي عايشة” إلى مرحلة كان من المفترض أن تقابل فيها بالتقدير والرحمة، كانت الصدمة قاسية، إقصاء وتجاهل ثم إهمال وطرد، وكأن نصف قرن من الخدمة لم يكن شيئا يذكر، هكذا، وبكل قسوة، انتهت خدمتها، لتجد نفسها خارج المؤسسة التي اعتبرتها بيتها الثاني، بلا حماية ولا اعتراف، لا كلمة “شكرا”.
عند جلوسي معها، قالت لي “مي عايشة”، وهي تشد طرف جلبابها بيد مرتعشة، كأنها تخاف أن يسقط آخر ما تبقى لها من ستر، “ولدي… أنا خدمت خمسين عام بين الصبيطار القديم و المندوبية، عمري ما طلبت شي حاجة، ملي كبرت ومرضة، مشيت عندهم في المندوبية باش نعرف شنو عندي في التقاعد، فقال لي أحدهم، شكون نتي؟ حنا ما كنعرفوكش، انتي عمرك خدمتي معانا…”، هكذا بكل بساطة و هدوء..
سكتت بعدها قليلا، ليس لأن الكلام انتهى، بل لأن الوجع كان أكبر من أن يقال، كانت عيناها معلقتين في الفراغ، وكأنها تحاول أن تفهم كيف يمكن لإنسان أن يمحى بهذه السهولة، كيف يمكن لنصف قرن من الكد والتعب أن يتحول إلى إنكار بارد.
لم تكن تتحدث عن الطرد بقدر ما كانت تتحدث عن الإهانة، عن تلك اللحظة التي شعرت فيها أن عمرها كله صار بلا قيمة، وأن تعب السنين لم يشفع لها حتى بكلمة اعتراف، قالتها بصوت مكسور، بلا غضب، بلا صراخ، فقط بحسرة ثقيلة، حسيت بالحكرة… حسيت بأن خمسين سنة من الخدمة بحالي خويت الماء في الرملة..”، في تلك الجملة البسيطة، تختصر مأساة كاملة، مأساة إنسانة أعطت كل ما لديها، ثم ووجهت بالإنكار حين ضعفت.
إن ما حدث للسيدة الأرملة “ع. م” “مي عايشة”، يطرح سؤالا جوهريا حول مفهوم الكرامة في العمل العمومي، هل تقاس قيمة الإنسان بمكتبه أم بجهده؟ وهل من العدل أن يكافأ من أفنى عمره في خدمة الصحة العمومية بالنسيان والتهميش؟
الخطاب الرسمي كثيرا ما يتحدث عن الاعتراف، وعن العدالة الاجتماعية، وعن حماية الفئات الهشة، لكن الواقع، كما تكشفه حالة مي عايشة، يقول شيئاً آخر.
إنصاف “مي عايشة” ليس شأنا شخصيا، بل اختبار حقيقي للدولة الاجتماعية لضمير المؤسسات، لأنه عندما يظلم أضعف حلقة في السلسلة، فإن الخلل لا يكون فرديا، بل بنيويا، والسكوت عن هذا الظلم هو مشاركة غير مباشرة فيه.
هذا ليس مقالا، بل صرخة في أذن كل مسؤول، صرخة باسم “مي عايشة”، وباسم كل من اشتغلوا في صمت، وظنوا أن الوفاء للعمل سيقابل بحد أدنى من الوفاء الإنساني، فهل نملك الشجاعة لنعيد الاعتبار، أم سنواصل اعتبار الصمت حلا؟
قضية “مي عايشة” ليست مجرد ملف اجتماعي عابر، بل مرآة تعكس كيف نعامل من خدمونا حين تنتهي قدرتهم على العطاء، هي اختبار حقيقي لصدق الشعارات المرفوعة حول الكرامة والعدالة الاجتماعية، ولقدرة المؤسسات على الانتصار للإنسان قبل الإجراءات.
إن إعادة الاعتبار لـ”مي عايشة” اليوم ليست فضلا ولا إحسانا، بل واجب أخلاقي وقانوني، ورسالة واضحة بأن هذا الوطن لا يتخلى عن أبنائه وبناته بعد أن يستهلك أعمارهم، فإما أن نختار طريق الإنصاف، أو نستمر في إنتاج الظلم بصمت.
والتاريخ لا ينسى…!
إما أن يكتب أننا أنصفنا “مي عايشة”..، أو أننا مررنا بجانبها ومضينا…!
قصة “مي عايشة” ليست مجرد حكاية فردية عن عاملة نظافة أنهكها الزمن، بل هي شهادة مؤلمة على طريقة تعاملنا مع فئة كاملة من المواطنات والمواطنين الذين حملوا المرافق العمومية على أكتافهم، ثم أُلقوا خارجها بلا وداع ولا إنصاف.
قصة “مي عايشة” ليست حالة معزولة، بل عنوان لمعاناة فئة كاملة من عمال وعاملات النظافة، أولئك الذين يقوم عليهم سير المرافق العمومية، لكنهم يظلون غير مرئيين، يستدعون عند الحاجة، وينسون عند نهاية الخدمة.
قصة مي عايشة ليست طلب شفقة، بل نداء للضمير، للروح القانون و العدالة، فبعد نصف قرن من الخدمة، لا ينبغي أن يكون الجزاء إنكارًا وحكرة، فهل ما زال في هذا الوطن ضمير حي يعيد الاعتبار قبل أن يطوى الملف، ويطوى معه ما تبقى من كرامة؟