الاستاذ جمال الحداوي يكتب الجزء الثالث من قصة العم البخروني المحيرة

0 186

 

كل سكان الحي والمنطقة سمعوا عن العم البخروني، ما أثار إعجابهم بالرجل البسيط، هو طريقة كلامه وتعامله مع الأطفال الصغار قبل الكبار.

كان الرجل يحظى باحترام الجميع، لم يكن في قلبه حقد ولا حسد، ولا ضغينة، نعم كان العم البخروني بسيطا في طريقة عيشه، ولكنه كان صاحب تجربة كبيرة في الحياة، وصاحب علم ومعرفة، كان متواضعا في كل شي.

في إحدى الليالي قال لي أخي نورالدين وهو يأكل بعض حبات الزيتون على عتبة باب منزلنا، ، يعلم الله ماهي الدوافع التي جعلت العم البخروني يهاجر بلده الأصلي؟ وهي فكرة كان كل من في الحي يريدونها، وفي إحدى الليالي المقمرة من ليالي الصيف كنت بجانبه وسمعته يردد بيتا شعريا غاية في الروعة .

وهو كالٱتي

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة

على النفس من وقع الحسام المهند

ولما سألت اخي عبد الرحمان عن معنى البيت الشعري قال لي، لعل الرجل المسكين قد عانى من ظلم الأحباب قبل ظلم الأغراب، ولكي يسلينا ويبعد عنا وعنه مسحة الحزن التي كانت تخيم على وجوهنا، كان يرد مقطعا غنائيا من أغاني سيدة الطرب العربي أم كلثوم

وهو يدندن برأسه ويترنح قائلا:

الليلة عيد على الدنيا سعيد

ونردد نحن الليلة عيد على الدنيا سعيد

ثم يفتح فمه الشبه الخالي من الأسنان فيقهقه ونضحك جميعا لضحكاته المسموعة،،،، مرت ليالي الصيف على عجل، وحل فصل الخريف الذي عرفت أيامه الأولى سقوط أولى قطرات الغيث ، وفي آخر الليل لم يكن أحد منا يظن أن العم البخروني سوف يغادر الحي دون أن يودعنا ولكنه عند الفجر جمع متاعه وركابه وقال لوالدي الذي كان متجها ألى المسجد لأداء الصلاة، سلم على جميع أولادي الصغار وقل لهم إن وجهة عمكم البخروني منطقة في جنوب المغرب إنشاء الله، فهو رحالة مثل الطيور المهاجرة لا يحب إلا المناطق الدافئة والساخنة ومع مرور الوقت والأيام عرفنا من أحد الأساتذة الذي قدم من مدينة وجدة ان العم البخروني ينتسب الى أسرة عريقة لكنه دخل مع أحد إخوته وكان يشتغل قاضيا في صراع كبير ،عندما استولى السيد القاضي على نصيب الأسد من الإرث لنفسه، وحاول أن يضيع بعض أخواته في نصيبهن ،عندئذ سلم العم البخروني نصيبه لأخواته وأقسم ان يعيش حياة الترحال والتجوال في أرض الله الواسعة تاركا قولته الشهيرة والحكيمة( من لم يحكم بالعدل ببن أقرب الناس إليه كيف سيحكم بالعدل بين باقي الناس؟) .

لمسة الاستاذ جمال الحداوي الخميسات.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.