عادل عزيز
المصطلحات المتداولة تغيب وتحضر وبعضها يزول تماماً مع زوال النظام الاجتماعي الذي أتى معه وانتهاء حقبته التاريخية التي لم تعد تتماشى مع العصر وأوانه، وأصبحت من ماضي الأجداد وطرائقهم وغالباً مآسيهم ومعاناتهم في تلك الحقبة.
لكن الإقطاعية تعود بأشكال أخرى وسلوك اجتماعي آخر ربما في حدودها الضيقة، ولكنها ذات أثر سلبي إقطاعي جديد يستمتع بكل ما يدور في فلكه، بفرض قيوده المُلزمة والويل وسواد الليل لمن خالفه أو شعر بأن له الحق في كسر طوقه والنفاذ خارج دائرته الإقطاعية.
لا يمكن للفرد أن يتخيل أن القرن الواحد والعشرين ما يزال يشهد مثل هكذا ممارسات، تماما كما كان يحدث في عصور التخلف والقمع، بيد أن الواقع المحلي يكشف عن شكل جديد من الإقطاع، يتم تحت أنظار الشهود وتواطؤ البعض وسكوتهم غير المبرر حيال ما يقوم به البعض من سيطرة على قطاعات حيوية، إذ لا نكاد ندقق ونمحص في وضع قطاع ما إلا ونكتشف أن عددا محدودا من الناس يسيطرون عليه.
قديما كان الإقطاع من خلال السيطرة على وسيلة الإنتاج الرئيسية وهي الأرض، حيث تعود ملكيتها لشخص واحد فيما يعمل الفلاحون عند الإقطاعي بخمس محصول الأرض، أما اليوم فان الإقطاع يقوم بالسيطرة على الأسواق.
وفي العام 2025 نخجل من الاعتراف بتغير شكل ونمط الإقطاع من تملك الأراضي إلى السيطرة على قطاع بعينه، وتحديد أرباحه والتحكم بحياة الناس بشكل صارخ وسط غياب التنافسية التي تريح الفرد وتفتح له آفاقا متعددة تسهل عليه عيشته.
قد يتخيل البعض أن الأمر مختلف في عصرنا، وأن الأمور قد تغيرت فلم يعد هنالك إقطاعيون، وكل شيء على ما يرام، نشتري ما نريد (نحن ؟!!) .. ونأكل ما نريد (نحن ؟!!) .. ونلبس ما نريد (نحن ؟!!) … ونزرع ما نريد (نحن ؟!!) …، ولكن الحقيقة أنه ربما مرت فترة ما بين عصر الإقطاع والقرن الأخير قد تحققت فيه هذه المعادلة – أي أننا نأكل ونشرب ما نريد – ولو بجزء بسيط منها، أما في هذه الأيام فلا أظن ذلك، ولكن كيف ذلك؟؟؟
نعم يحدث هذا في عصرنا وبإقليم تاونات، وهذا ما عبر عليه الصحفي المقتدر عبد النبي الشراط في مقال له على حسابه بالفيسبوك بقوله “في مشهد يعيد إلى الأذهان عصور الإقطاعيين الذين استنزفوا الفلاحين وألقوا بهم في مستنقع الفقر، خرج أحد المستشارين البرلمانيين “”، بمطالبة صادمة لكل التعاونيات الفلاحية العاملة في زراعة القنب الهندي “الكيف” بالتنازل عن 30% من مستحقاتهم المالية، في خطوة تمثل قمة الجشع والتغول الاقتصادي والسياسي”.
وأضاف الشراط أن “المعني بالأمر هدد بإلغاء جميع العقود الموقعة مع التعاونيات في حالة رفضها التنازل عن حصة ثلاثون بالمائة %30 من أصل جميع المبالغ المترتبة عليه لفائدة الفلاحين المنضوين تحت لواء هذه التعاونيات، وهي مبالغ ضخمة جدا”، نعم إنها سابقة خطيرة إن كان الخبر صحيحا، قد تهدد بنسف مشروع دولة تقنين “القنب الهندي”..
لكن يبدو أن بعض أصحاب النفوذ لم يفهموا بعد أن مشروع “تقنين الكيف” لم يكن تفويضا لهم لاستعباد الفلاحين، بل كان يفترض أن يكون وسيلة لإنصافهم وإخراجهم من دوامة المتابعات القضائية والفقر، غير أن ما يحصل اليوم يكشف أن التقنين قد تحول إلى سلاح في يد إقطاعيين جدد، يستغلون فلاحين بسطاء..
كما احتج فلاحون بإقليم تاونات، على منعهم المفاجئ من زراعة البطيخ الأحمر (الدلاح) بداعي استنزاف الفرشة المائية، بعد أن تكبدوا خسائر بما أنفقوه لإعداد الأرض وشراء البذور، رغم أن أراضيهم المخصصة للزراعة، مجاورة إلى أنهار دائمة الجريان، رغم تواجد حقول كبيرة لرزراعة القنب الهندي “الكيف”، و يتم سقيها بكميات كبيرة..!
وهنا نطرح سؤالا و نترك إجابته للمختصين، هل سقي حقول “الكيف” يستنزف الثروة المائية، أو مزارع “الدلاح”..؟
لا غرابة في الأمر، فالقضية بدأت حين أمسك الاقطاعيون الجدد بعصا الإقليم لتبدأ اللعبة، التي تدحرجت إلى أن فرغ البلد من طاقاته المبدعة وتركوا الاقطاعيون الجدد يتحكّمون بالشارع، غذّوا الفوضى ودعموها، عززوا السوق السوداء، أسهموا في تقسيم الإقليم وتعزيز مبدأ شريعة الغاب، فرضوا سلطتهم في تجويع الناس..
نعم، نحن في أخطر اقطاعية، إقطاعية آل ميسر وآل ساس و بنوقشبال وبنوطاهر و بنوحجر وغيرها، فالإقطاعية اليوم قائمة على أسس ثابتة تتمثل بثلاثة عناصر: الريع، تأليه الزعيم، وتدمير مقومات الإقليم، ثلاثية أوصلت ساكنة الإقليم الى القبر..
إلى أين نحن سائرون؟ إلى أين يقودنا “الاقطاعيون الجدد”؟ وروؤساء الصناديق “الانتخابية”؟..
أين تقودنا “شخصيات الريع”؟..
أبهذا الكشكول الإقطاعي نقوم بتنمية إقليم تاونات و نقضي على الفقر؟..
أين الوطنية والمواطنة والوطن والإنسانية..؟
هل الإقليم ضيعة خصوصية لهؤلاء..؟ أم هو ملك مشترك..؟
أين القانون..؟ أين “ربط المسؤولية بالمحاسبة”..؟
متى ينتهي الريع السياسي و الإداري..؟
متى يكون القانون فوق الجميع..؟