أي مقاربة للمشروع المجتمعي المغربي كي لا تتعطل التنمية؟

 

بوناصر المصطفى

عبر طول مسار الاستقلال بالمغرب، ظلت منحى الحالة السياسية تتأرجح بين انفراجات قصيرة وعلّات بنيوية عميقة عطلت التحول نحو نماء قد يسجل بدون تردد؛ إذ لم تتجدد البنية السياسية بما يكفي لإطلاق تراكم اقتصادي واجتماعي. وفي مقابل ذلك، تراجعت فعالية الفاعلين السياسيين والمدنيين على حد سواء حيث حصرت أدوارهم في حضور شكلي، فغيبت الممارسة النضالية بتغليب منطق الريع وتلميع صوة أي عميل دون تسجيله أي جهد يذكر وتنكر لاستيعاب المراحل المحروقة.

فبالرغم من المرور على كل محطات الحوارات الوطنية يبقي المشروع المجتمعي دون أي محاولة جادة لترجمة دائرة الرؤى المركبة الى استراتيجية تعتمد الحكامة كي تصلح آليات إنتاج التنمية: تخطيطا، تدبيرا، تمويلا، وتقييما. لكن في غياب أي إرادة في هذا الصدد سيطر على المشهد الثقافي والفكري طقس غمامه خطاب فارغ غير قادر على إنتاج معرفة موجهة للإصلاح والتأسيس لحكامة تنطلق من عقد جديد مبني على مسؤوليات قابلة للقياس مسنودة بمنطق الشراكة والتكامل داخل الفريق الواحد.

صرنا ضحية تشنجات غالبا ما تصادفنا في مواقع التواصل او عبر إعلانات عناوين مثيرة قد تفتح شهية النقاش لإعادة الاعتبار للفعل السياسي والمدني، لكنها في الغالب ما تسقط في تكريس جدل فارغ يكرر أسطوانة مشروخة، لذا بادر مركز تانسيفت للتنمية ليطرح النقاش بنفس إيجابي في ندوة فكرية تعتمد التناظر بين الاسئلة المقلقة لغياب الرؤية، وبعث النفس في ذلك المثقف العضوي بضمان تحصينه من تلك المضايقات اللا وطنية و تموقعه في دائرة التسويق لقيم كونية تتناسب المتطلبات الحالية من الرقمنة لتسديد الخطة في تجاوز تلك البنية المتأكلة المزدوجة النظرة بمعايير الحكامة والخروج من تيه متعمد بين القيام بأدوار الدولة وتعطيل خطاها.

لقد ابانت وقائع التجربة السياسية بالمغرب عن حالة من التذبذب أدخل الوضع في ركود جمد الفعل المؤسساتي، صحيح أن المبادرات لم تشل كليا وأن الكفاءات لم تدفن، لكن كان هناك قصور بنيوي في صياغة مشروع مجتمعي مستدام لم يستفيد من التراكم.

لعل أهم سمة ميزت هذا المسار تعدره عن التحول لصياغة رؤية استراتيجية تبدأ الخطى ولا تقف عن تشريح الوضع الذي أصبح حالة مرضية للأسف عند اغلب المبادرات

لم تكن جل محاولات الدولة صائبة لأنها بقيت منحصرة في برامج التهيئة والتخطيط وإطلاق البرامج في غياب اشراك المعني بالأمر وغياب الحكامة في استثمار الأدوات المادية والبشرية لإحداث التحول.

كما لم يكن الفاعل المدني رغم أهميته منسجما مع روح المشاركة الحقيقية؛ فجل المكوّنات المدني ظلت خارج الهيكل بحيث ان دورها بقي مقتصر اعلى حضـورٍ موسميّ أو في امتلاك خطاب دون قدرة تنفيذية مؤسسية، أو في أدوار وهمية تواجه بها الأزمات هكذا توقف دورها في مهمة “رجل إطفاء” وليس بوصفها شريكا في تصميم السياسات وتقييم أثرها. وبذلك، لم تنجح في تحويل المجتمع المدني إلى شريك فعلي في إنتاج التنمية، بل إلى وعاء يشارك أحيانا في الامتصاص لا في إعادة التوجيه.

لم تلق محطات الحوار الوطني وان توفرت كفضاءات لصياغة المشروع المجتمعي اي دعم معنوي لتنزيل مخرجات جهودها ليسقط النقاش في دائرة التداول وخطاب غير ملزم وغير قابل للقياس نظرا لغياب تعاقد شفاف بين الدولة والفاعلين.

وحتى لانكرس مزيد من الضجيج فالحاجة ملزمة إلى إعادة توصيف النقاش ونقله من سرديات العجز إلى التأسيس لشروط الإصلاح من خلال صياغة منظومة حكامة تراهن على إنتاج التنمية لا عبر كثرة المبادرات، بل عقلنة القرار وهندسة التنفيذ بشكل متواز:

ـ تحويل أي مبادرة إلى برنامج له أهداف محددة ومؤشرات أداء واضحة، وربط التمويل بالنتائج لا بالنوايا

ـ اعتماد منطق الاستمرارية بين البرامج، بحيث لا تُستبدل الاستراتيجيات كلما تغيرت الظرفية، بل تراكم الدروس وتُقنن المراجعة

ـ تفعيل ثقافة التقييم بوصفه شرطًا لإصلاح المسار، لا مجرد تقرير إداري؛ مع نشر النتائج وتحديد المسؤوليات عن التقصير بالمحاسبة

ـ رفض التعاقد المخرج شكلاً، بل اعتماده شرك ملزم للطرفين بوصفه شراكة تنفيذية داخل “فريق عمل” محدد الأدوار، واضح الحدود، قابل للمساءلة، تتبادل خلاله المعلومات ويضمن التنسيق بين المتدخلين.

ـ تمكين الفاعلين المدنيين عبر التأهيل التنظيمي، وبناء القدرات التنفيذية، وفتح مساحات حقيقية للمشاركة في تصميم السياسات وتقييمها، بدل الاقتصار على أدوار الاستيعاب أو الإطفاء.

ـ الحد من خطاب فاقد للحكامة بتحويله إلى إطار معياري: ما الذي سنفعله؟ كيف سنفعله؟ متى سننجز؟ وبأي مؤشرات؟ ومن يَحاسب؟

لاشك أن جوهر الإشكال لا يتمثل في غياب الإرادة أو في ندرة البرامج، وإنما في خللٍ بنيوي في طريقة إنتاج القرار والتنفيذ وتقييم الأثر، لذلك، فإن الخروج من التعطيل لن يتحقق عبر نزيف التفكيك، بل عبر إصلاح “الهندسة السياسية واعتماد الحكامة عبر عقلنة المؤسسة، وإعادة توجيه التنمية نحو التراكم والقياس، وبناء تعاقدٍ مؤسسي عادل، يضمن أن تصبح المشاركة المدنية قوةً إنتاجية لا مجرد وسيلة لامتصاص الأزمات.

 

#ما نصيب الدولة الوطنية في تصوراتنا واجنداتنا؟

#هل سنكرس التماهي والضجيج السياسي ام نعكف على سياسة الاستحقاق؟

#متى نستأنف توزيع الأدوار لصياغة مشروعنا المجتمعي؟

أي مقاربة للمشروع المجتمعي المغربي كي لا تتعطل التنمية؟
التعليقات (0)
اضف تعليق