التزكيات الحزبية بين الكفاءة والنجومية… أي معيار يحسم السباق؟

 

ك.د

مع توالي الاستحقاقات الانتخابية، يتجدد النقاش داخل الساحة السياسية حول المعايير الحقيقية التي تتحكم في منح التزكيات الحزبية. وبين من يرافع عن أولوية الكفاءة والتجربة، ومن يقر بواقع التحولات التي فرضت منطق “الجاذبية الجماهيرية”، يطفو على السطح سؤال جوهري: هل أصبحت الشهرة بديلا عن المسار السياسي التقليدي؟

في الآونة الأخيرة، غذت أخبار متداولة حول إمكانية دخول الممثلة المغربية فاطمة وشاي غمار العمل الحزبي هذا الجدل، أعاد إلى الواجهة قضية تداخل العوالم بين الفن والسياسة، وتطرح من جديد إشكالية استثمار الرأسمال الرمزي في المجال العام.

هذا التوجه ليس وليد اللحظة، بل يندرج ضمن مسار شهد صعود عدد من الأسماء الفنية إلى مواقع القرار أو التمثيل المؤسساتي، كما هو الحال مع فاطمة خير، التي شكل انتقالها من المجال الفني إلى البرلمان نموذجا دالا على هذا التحول، وهي تجربة فتحت الباب أمام تساؤلات أعمق حول طبيعة هذا العبور، وما إذا كان قائما على قناعة سياسية أم على حسابات انتخابية ظرفية.

في عمق هذا النقاش، تبدو الأحزاب السياسية وكأنها أمام معادلة صعبة: فمن جهة، تواجه تحدي ضعف الثقة وتراجع نسب المشاركة، ما يدفعها
إلى البحث عن وجوه قادرة على جذب الانتباه والتأثير في الناخبين، ومن جهة أخرى، تطرح مسألة مصداقية العمل السياسي، التي ترتبط أساسا بمدى توفر المرشحين على الكفاءة والخبرة والقدرة على الترافع عن قضايا المواطنين داخل المؤسسات.

ولا يقف الجدل عند حدود الأحزاب، بل يمتد ليشمل سلوك الناخب نفسه. فالعلاقة التي يبنيها الجمهور مع الفنانين، عبر الشاشة والأعمال الفنية، غالبا ما تكون مشحونة بالرمزية والعاطفة،غير أن تحويل هذه العلاقة إلى ثقة سياسية يظل رهينا بمدى وعي الناخب بضرورة التمييز بين “الصورة” و”المشروع”، وبين الأداء الفني والالتزام السياسي.

كما يطرح هذا الواقع تساؤلات حول مستقبل النخب السياسية: هل نحن أمام إعادة تشكيل لمفهوم النخبة، بحيث لم تعد مرتبطة فقط بالمسار الأكاديمي أو الحزبي، بل أيضا بالقدرة على التأثير الجماهيري؟ أم أن الأمر يعكس، في جانب منه، صعوبة تجديد النخب من داخل الأحزاب نفسها؟
في المقابل، لا يمكن إغفال أن دخول شخصيات فنية إلى السياسة قد يحمل أيضا أبعادا إيجابية، إذا ما اقترن برؤية واضحة واستعداد فعلي لتحمل المسؤولية. فالتجربة الفنية قد تمنح صاحبها مهارات في التواصل والقرب من المواطنين، وهي عناصر لا تقل أهمية في العمل السياسي المعاصر. غير أن هذه المؤهلات تظل غير كافية في غياب التكوين السياسي والقدرة على فهم تعقيدات التدبير العمومي.
في النهاية، يبدو أن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق فقط بأسماء فنية مرشحة أو محتملة، بل يعكس تحولات أعمق في بنية الحقل السياسي، وفي طرق اشتغال الأحزاب، وحتى في انتظارات المواطنين أنفسهم. وبين من يرى في هذا التوجه انفتاحا على المجتمع، ومن يعتبره مؤشراً على اختلال الأولويات، يبقى الحسم بيد الناخب، الذي يطلب منه أكثر من أي وقت مضى أن يُدقق في الاختيار، وأن يوازن بين جاذبية الصورة وعمق المشروع.

التزكيات الحزبية بين الكفاءة والنجومية… أي معيار يحسم السباق؟
التعليقات (0)
اضف تعليق