لهيب الفحم في العيون… حين يتحول السوق إلى مساحة انفلات ويختبر صمت الجهة اامختصة

 

بقلم/ سيداتي بيدا

في العيون، لم يعد الحديث عن سعر الفحم مجرد متابعة ظرفية لتقلبات السوق، بل أصبح مؤشرا مقلقا على اختلال واضح في آليات الضبط والمراقبة. وصول سعر الكيلوغرام إلى حدود 18 درهما دون مبرر اقتصادي شفاف أو تفسير موضوعي مقنع، يضعنا أمام واقع لا يمكن التعامل معه بخطابات التهدئة أو التبرير، بل يستدعي تسمية الأشياء بأسمائها: انفلات سعري يمس جوهر العدالة الاقتصادية.
الفحم، أو “الفاخر”، ليس سلعة هامشية في السياق المحلي، بل عنصر أساسي في الحياة اليومية، مرتبط بعادات راسخة وطقوس اجتماعية عميقة، وعلى رأسها إعداد الشاي الحساني بما يحمله من رمزية للضيافة والتواصل. وعندما يمس هذا العنصر الحيوي عبر تضخم غير منطقي في الأسعار، فإن الأثر لا يبقى اقتصاديا فقط، بل يمتد إلى النسيج الاجتماعي ذاته.
الأكثر خطورة في هذا المشهد ليس فقط الغلاء، بل حالة الصمت التي ترافقه. غياب تدخل واضح وفعّال، أو على الأقل توضيح رسمي للرأي العام، يخلق فراغا رقابيا خطيرا، ويترك المجال مفتوحا أمام المضاربة والاحتكار غير المعلن. وفي مثل هذه الحالات، يصبح السكوت جزءا من المشكلة، لأنه يفهم كعجز عن التدخل أو كقبول ضمني باستمرار الوضع.
السوق، مهما كانت طبيعته الحرة، لا يمكن أن يترك خارج إطار القانون. فحرية التجارة لا تعني إطلاق يد المضاربين لفرض أسعار منفصلة عن الواقع، ولا تعني تحويل القدرة الشرائية للمواطن إلى ضحية دائمة لغياب الرقابة. حين تغيب الضوابط، تتحول السلع الأساسية إلى أدوات استنزاف، وتفقد السوق وظيفتها كفضاء للتوازن الاقتصادي.
إن استمرار هذا الوضع دون تدخل حازم يهدد بتكريس سابقة خطيرة، حيث تصبح الزيادة غير المبررة قاعدة، ويصبح المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة غير متكافئة. والأسوأ من ذلك أن يمتد هذا النموذج إلى مواد أساسية أخرى، بما يعمق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات المكلفة بحماية السوق.
المطلوب اليوم ليس مجرد تتبع ظرفي للأسعار، بل تدخل صارم يعيد الانضباط إلى السلسلة التجارية من المصدر إلى المستهلك، مع تفعيل آليات المراقبة والزجر، وربط المسؤولية بالمحاسبة دون استثناء أو تساهل. فالقانون لا معنى له إذا لم يطبق في لحظات الاختبار الحقيقية، حين يتعرض المواطن لضغط مباشر في معيشه اليومي.
في النهاية، ما يجري في العيون ليس مجرد ارتفاع في سعر سلعة، بل اختبار فعلي لمدى جدية حماية السوق من الانحراف. فإما أن يفرض النظام الاقتصادي بقوة القانون، أو يترك المجال لتغوّل الأسعار… وحينها، لن يكون الفحم وحده هو الذي يحترق.

لهيب الفحم في العيون… حين يتحول السوق إلى مساحة انفلات ويختبر صمت الجهة اامختصة
التعليقات (0)
اضف تعليق