مراسلة خنيفرة.. بقلم : رشيدسلام
قبل أن ألتحق بالجيش المغربي، كانت تقع عيناي على “جبل فرعون بزاوية الشيخ”، من الجهة الجنوب-غربية لآفاق مدينة خنيفرة، لكنه يشبه خريطة المغرب! عندما تقاعدت كنت أجلس بمقهى أريحا بالمدينة نفسها، وأنظر إلى “جبل أَقْلَّال بالشمال الشرقي”، فحدث أن وقعت عيني هنا على هيئة إنسان مستلقٍ على ظهره وكأنه ينظر إلى السماء؛ أثارتني “سُرَّته” التي بدت لي بمثابة رباط مغناطيسي كوني!
ذات يوم انفجرت طاقتي وأيقنت أن ما أراه هو سر إبداع الله في أرضه. وجدت نفسي أحتاج أن أكون مبدعا لأكتب كتابا موسعا أعبر من خلاله على ما أيقنت به. ورغم أنني لم أبلغ الأشد وأنا إمام، فإنه يوجد دائما أناس علماء أهل للعون بصدر رحب. أما تحفظي على نشر الكتاب فقد دفعني لأتصل بالدكتور خالص جلبي شكر الله له، حيث زارني وتبادلنا الحديث على ما اكتشفته، وكان له الفضل في أن صرت مشبعا في ما يخص المعلومات المتعلقة بتأويل ما سبق وأن رأيته من خلال تضاريس مدينتنا الغالية خنيفرة.
طموحي الآن أن أتخصص في الجيوفيزيك (géophysique) وبالضبط ما يطلق عليه في أوساط المختصين ب”تمايل الأرض” (la nutation de la terre). فالله عز وجل لا يكلف نفسا إلا ما آتاها.
يمكن تقسيم الأجزاء الباطنية للأرض إلى أربعة أقسام وذلك حسب درجة سيولتها؛ فنجد اللب الداخلي الأكثر سيولة، ثم اللب الخارجي وهو أقل سيولة، يليه الستار أو “الوشاح” وهو لزج، وفي الأعلى نجد الحمم والصخور المنصهرة والصخور الصلبة. ما يجعل الأرض ليست بالكامل جسما صلبا. وكما أنه من عادة الدراسة الفيزيائية لحركة جسم ما أن يكون صلبا، فإن دراسة حركة دوران مكونات الأرض حول نفسها لضبط تغيرات إحداثيات محور دوران الأرض حول نفسها قبل وبعد انحرافه، ليست بالأمر الهين؛ وليس من السهل أن يتمكن العلماء من فعل ذلك. لكن المحور يتغير بسبب سيولة باطن الأرض، مما يتسبب في ترحال الأقطاب الجغرافية والمغناطيسة. يمكن إثبات هذا الترحال بعد القيام بتجربة إدارة بيضتين؛ إحداهما طازجة والأخرى مغلاة، فتدوران على القطب الملامس لسطح الأرض. فأما البيضة الطازجة فيتغير محور دورانها كما يحدث للأرض عند دورانها وتلقيها قوى مغايرة تسببها سيولة باطنها وهذا هو ما يطلق عليه المختصون “تمايل الأرض” أو (la nutation delaterre)؛ بالمناسبة فظاهرة تمايل الأرض بسبب سيولة باطنها، أدى بالعلماء إلى القول بالضرورة أن باطن كوكب مارس لا يزال سائلا؛ وذلك بعد معانة تغيرات محور دورانه. نعود الآن إلى البيضة المغلاة، وعلى عكس بيضتنا الأخرى فمحور دورانها لا يتغير لأنها بمثابة جسم صلب بالكامل.
وبما أننا قلنا بتمايل محرور دوران الكواكب ذات اللب السائل ككوكب الأرض، فهنا نقول أن هذا التمايل يؤدي بالضرورة إلى ترحال الأقطاب ما يؤدي وبالضرورة، إلى تغيُّر زاويتي الشروق والغروب؛ وهكذا إلى أن تطلع الشمس من مغربها فيغلِب النقلُ العقلَ فنُسَلِّم كما جاء في الحديث النبوي الشريف عن طلوع الشمس من مغربها.
ولو كانت الدراسة الفيزيائية لحركة الأرض قد تمت بالكامل، لتمكنا من معرفة موعد طلوع الشمس من مغربها. نعم لا نستطيع لحد الساعة تحديد زمان طلوع الشمس. لكن هل نستطيع تحديد مكان طلوعها من المغرب؟ الجواب هو نعم! وفي طريقنا للإجابة على هذا السؤال، أحدثكم أولا عن تشابهين؛ الأول بين خريطة إفريقيا ومغارة هرقل والثاني بين خريطة المغرب وجبل فرعون السالف الذكر، كما هو واضح في الصور المرفقة.
عزيزي القارئ، قف الآن افتراضيا قرب مدرسة متشفسان. وسترى الجبل الذي يشبه خريطة المغرب، أنت الآن في قلب إفريقيا طنجة من ورائك، طنجة بها المغارة، اسبق المقال بمقامك. لكن من خلاله نجيب على السؤال، كون جبل فرعون هذا هو زاوية طلوع الشمس من مغربها من مركز محدد من مدينة خنيفرة. لأن الله عز وجل في محكم كتابه ذَكَرَ كُلاًّ من المشرق والمغرب بالمفرد والمثنى والجمع. ولأن حسابات جد معقدة ستمكننا من معرفة إحداثيات المحور يوم بدأ الله الخلق. قال تعالى : {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ } [العنكبوت : 20]. نسير إلى خنيفرة! نترك إنسان أقلال مستلقيا على متن أرضنا الكروية! ننظر باتجاه جبل فرعون. لا شك إخوتي، الأرض يوم أظلمت في بداية ليلها الأول كانت قد غرُبت عليها الشمس في جبل فرعون، فسمي مغربَها الذي ستطلع منه غدا يوم القيامة، وليس مشرقَها. ننظر إلى مسألة البدء أيضا من خلال السُّرة المذكورة. هكذا إذن! أصبح بلدنا المغرب اسما على مسمى بفضل مدينة خنيفرة، وذلك لكل ما رأيناه من إبداع الله في أرضه..
أجمل تذكار يلخص ما سبق هو المحار الحلزوني الذي نسأل أن نقتات عليه ويشبه رحم المرأة وهو يتسع استعدادا للولادة، فنستحضر سُرَّة الرجل الذي يظهر على جبل أقلال، لكن المحار يشبه أيضا خريطة إفريقيا كالمغارة، فضلا عن شكله الحلزوني الذي يتطابق مع انحراف المحور عند دوران الأرض. ناهيك عن كون الاختلاف بين أحجام المتشابهات سالفة الذكر، يرمز إلى اختلاف أعمار أفراد الأسرة، كاختلاف حجمي الجزء والكل الذي يتضمنه. لتبقى المحارة لُحمةً أخوية تمثل أجمل تذكار بديع. بجد وأنت تقف بخنيفرة أنت في قلب إفريقيا، تسافر عبر الزمن في الآفاق لترى مطلع الشمس من مغربها من جبل فرعون الذي يشبه خريطة المغرب، تعظم في عينيك مغارة هرقل التي تُدخِلُك داخل المحارة اللولبية مغناطيسيا لتعود لبطن أمك كإنسان أقلال. أمر خارق لكنك تتَّبِع انحراف المحور لتعيش مطمئنا ساجدا لربك بديع السماوات والأرض.
عزيزي القارئ … لا أشك أن هنالك من سيشاطرني الرأي بعد الإطلاع على الصور المرفقة للمقال وهي بين يديك.