سجال المدونة بين تحصين الهوية والتأسيس لقيم ما بعد الحداثة

 

 

ذ. بوناصر المصطفى

 

لم يأخذ أي نقاش مجتمعي نفس الحدة التي رافقت مراجعة قانون مدونة الأسرة، اعذ أعاد إلى الواجهة ذلك السجال الأيديولوجي بين التيار الإسلامي المحافظ والتيار الحداثي، وذلك راجع بالأساس إلى أن التعديلات القانونية التي تمس بالأساس مؤسسة أساسية في بنية المجتمع المغربي ولها ارتباط وثيق بقضايا محورية يجرأ على مناقشتها، فتأخذ حجما كبيرا في سياق ما بعد الحداثة.

فبعد الصيحات المتكررة لهيئات مدنية بعينها لإصلاح شامل لمدونة الأسرة دون التقيد بالمرجعية الإسلامية جاءت الرسالة الملكية الموجهة لرئيس الحكومة لتنص على مراجعة اختلالات أظهرها التطبيق القضائي لأحكام المدونة.

تشكلت على إثر ذلك لجنة للانكباب على مراجعة مدونة الأسرة، ساهمت مختلف الهيئات الحزبية والحقوقية وكل مكونات المجتمع المدني الفاعلة في هذا المجال بتقديم مقترحاتها إلا أن بعضها إن لم نقل جلها جاء منافيا لأحكام الدستور خاصة تصديره والفصل 1، 7، 19، 32 كفصول أطرت وشكلت وعي أفراد هذا المجتمع مما أجج الخلاف بين الطرفين المتقاطعين.

تاريخيا سجلت محطتين فمنذ الاستقلال تم الاتفاق على تنظيم العلاقات داخل الأسرة المغربية بقانونين: انطلقت مدونة الأحوال الشخصية سنة 1958،حيث تميزت بحرصها على اعتماد المذهب المالكي وسيادة الثروة الفقهية لشريعتنا الإسلامية، ترأسها الأستاذ علال الفاسي مع ثلة من العلماء والفعاليات الوطنية إلى مطلع التسعينيات حيث برزت مطالب إصلاح دستوري من أجل الانتقال الديمقراطي ليستمر السجال السياسي بين الأقطاب السياسية، فعين الملك محمد السادس لجنة استشارية برئاسة الفقيه الدستوري ادريس الضحاك انطلقت في أشغالها في غشت 2003، إلا أن اهم ما ميز هده اللجنة هو تركيبتها المنفتحة على علماء، قضاة، ومتخصصين في العلوم الاجتماعية وأطباء، كما أنها ضمت لأول مرة العنصر النسوي بين ظهرانها.

بعد صياغة المضامين عرضت على الملك، ليطلب الإحالة على السلطة التشريعية للحسم فيها، وهذه نقطة أخرى تميزت بها هذه المدونة عن سابقتها.

مر عقدين من الزمن في التفعيل إلى أن أعيد فتح نقاش مرة أخرى وهذا يطرح سؤال إما أن ان كل تلك المراجعات لإصلاح والتعديل قانون مدونة الأسرة لم يحسم، أو أن هناك إصرار على التراجع والتردد لغرض في نفس يعقوب؟

أعطى الملك أمره بتشكيل لجنة ملكية مؤسساتية مختلفة عن اللجان السابقة: المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وزارة العدل، رئاسة النيابة العامة، المجلس العلمي الأعلى، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، السلطة الحكومية المكلفة بالتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة.

بقي الخلاف القديم متصدرا للنقاش العمومي فكانت نقط الخلاف تلامس الأسس التي بنيت عليها الدولة المغربية.

فإذا كان إصرار الاتجاه المحافظ على الحفاظ على المادة 400 من الدستور تنص على الاحتكام إلى اجتهادات المذهب المالكي كإطار قانوني في حالة غياب أي نص صريح نظرا لما يمثله رصيده من ثقل في تربية جيل من المغاربة مند 12 قرنا، وبالتالي إن أي تنازل عن هذا المرجع هو فصل الأسرة المغربية عن المرجعية الإسلامية ونزع الصبغة الدينية والشرعية عن مؤسسة الزواج، ارتأى القطب الحداثي إلى أن ان هذه المادة تقيد الاجتهاد القضائي بدعوى أن قضايا المجتمع أصبحت تتجاوز هذا المرجع.

تأتي نقطة الإرث بعد تصعيد مطالب القطب الحداثي بإعادة النظر في مجموعة من المقتضيات المعمول بها في الواقع، وذلك ملاءمة لعدة حالات في المجتمع المغربي كمسألة التعصيب مثلا، مع التأكيد على ضرورة ضبط مساطر تمكين المرأة من حقها في الإرث، لأن المحاكم لا تزال تعج بقضايا كثيرة في هذا الباب ينتج عن طولها إحجام المرأة عن المطالبة بحقوقها إما بسب الخوف أو العجز أو الجهل.

إلا أن القطب الإسلامي يصر في هذه النقطة معتزا بكل توجهاته على ضرورة الالتزام بمقتضيات الشريعة الإسلامية؛ بحكم أن هذه المسألة منظمة بنصوص قرآنية قطعية الدلالة، والتي لابد للمدونة الحالية أن تلتزم بها.

كما يأتي النسب ليثير جدلا وسجالا واسعا فالقطب الحداثي يدعو إلى ضرورة مراجعة المادة 148 من المدونة التي تنص على عدم الاعتراف بنسب الأبناء الذين يزدادون خارج إطار الزواج، حيث يوصفون كونهم أبناء غير شرعيين هي مسألة مجحفة في حق هؤلاء الأطفال حيث لا مسؤولية لهم في ذلك، والأكثر من ذلك اعتبارهم نتيجة لعلاقات خارجة عن إطار الزواج وبالتالي إن العلاقات الرضائية تدخل في نطاق الحريات الفردية هذه النقطة أثارت حفيظة القطب الإسلامي حيث اعتبره تحريض صريح على الزنا وأن هؤلاء الأطفال أبناء زنا إلا أن المولود من الزنا بريء من زلة والديه، وله الحق في الرعاية و الكفالة من طرف المجتمع.

لأن مسألة النسب في الفقه هي لحمة شرعية بين الأب وإبنه، تحتاج إلى تضييق دائرة الخبرة في إمكانية إعطاء النسب إلى أبعد الحدود بما يتوافق مع مواد المدونة من حيث أسباب ثبوت النسب وذلك سدا لذريعة الفساد وزيادة أعداد أبناء الزنا.

نقطة أخرى محددة بنص قراني قطعي وهي تعدد الزوجات حيث أصر القطب الإسلامي على المحافظة عليها لما لها من مقصد شرعي يراعي مصلحة المرأة والأسرة، وأن هذه الإباحة مقيدة بقيود موضوعية واضحة أساسها القدرة والعدل بين الزوجات، كما نظمتها كذلك أحكام المادة 40 من المدونة الحالية فمن أبرز مميزات إباحة التعدد أنها تحل مشكل العنوسة عند النساء.

في المقابل ينظر التيار الحداثي أن الإبقاء على هذه النقطة في مدونة الأسرة هو استمرار في تقوية الرجل على حساب المرأة، وتشيء لها، حيث يفهم منه على أن الرجل يمكن اقتناء زوجة أو اثنتين أو ثلاثة…كأنها سلعة

لتاتي زواج القاصر أو الزواج دون سن الأهلية، يزيد من حدة الخلاف، فإذا تشبه الحداثيون برفضه على اعتبار أنه حالة اغتصاب للطفل وحرمانه من الحقوق المكفولة له بالمواثيق الدولية، والتي صادق عليها المغرب، أبرزها الحق في التمدرس، والحق في النضج لأن مسؤولية تكوين أسرة على طفلة أقل من 18 سنة هي مخاطرة بمؤسسة الأسرة وبالمجتمع أيضا.

إلا أن التيار المحافظ يرى أن الهدف منه هو تحصين الشباب من الوقوع في الرذيلة وهو مطلب شرعي، وأن الرشد يُسهم في الاستقرار الأسري فالضرورة تقتضي الإبقاء على إمكانية الإذن بزواج متى اقترب السن القانوني للفتاة، كما هي في جل القوانين المتعلقة بالأسرة في العالم، مع التأكيد على تجويد المادة 20 من المدونة، بالتنصيص على إلزامية الجمع بين البحث الاجتماعي والخبرة الطبية، وترك هذا الأمر للسلطة التقديرية للقاضي.

 

إن استحضار أهم النقط الخلافية بين التياران، لا ينفي نقاشا مجتمعيا تفصيليا، أثار الكثير من الجدل كالحضانة، تقسيم الممتلكات، النفقة التقديرية، النفقة، الوصاية للأم الحاضنة هي أمور تنتظر الحسم فيها من طرف السلطة المختصة والتي لها سلطة القرار.

مما لا شك فيه أن النقاش المجتمعي ظاهرة صحية إلا أن تحصين الأسرة لا يخرج عن تحصين الدولة المغربية، لأن أي إجهاز على الثوابت والخصوصية الدينية والثقافية وذلك التراكم التاريخي لأجيال لازالت تحمل المشعل، لا يمكنه فهمه إلا بإصرار حالات مستلبة بقيم مادية فارغة المحتوى، لازالت تلك المجتمعات الحداثية النموذجية تعاني من انتكاساتها من تفكك الأسرة والمجتمع، وبأن تلك الحرية المراهن عليها سابت حتى اغتربت عن أصلها وفقدت قيمها الإنسانية.

# هل مؤسسة الأسرة تبنى بالتقويم والتحصين أم باقتباس أشكال جاهزة تكرس الاغتراب وتستهدف كيان المجتمع ومكوناته.

سجال المدونة بين تحصين الهوية والتأسيس لقيم ما بعد الحداثة
التعليقات (0)
اضف تعليق