تحقيق : مقالع الرمال بإقليم تاونات، خروقات على مستوى الرخص والاستخراج والمراقبة؟
متابعة : عادل عزيزي
الاستغلال العشوائي لمقالع الرمال بإقليم تاونات وانتشارها بشكل ملفت للانتباه بجميع تراب الإقليم، يعد من أبرز المشاكل التي أصبحت حدثا بارزا بمثابة كابوس كارثي يهدد الساكنة والبيئة، تدمير التضاريس وإتلاف الغطاء النباتي وما يرافق هذه الأضرار من حرمان الجماعات الترابية بالإقليم من مداخيل هامة ،قد تكون كفيلة بتفعيل آليات التنمية المحلية والإقليمية، وتلتهم المقالع تراب العديد من الجماعات مساحات شاسعة من الأراضي الفلاحية الخصبة، تستخرج منها كميات هامة من الرمال يرى المتابعون أنها لا تخضع لأية مراقبة، مقالع أصبح لها تأثير سلبي على السكان المجاورين، آلاف الأمتار المكعبة من الرمال تقتلع يوميا دون أي اكتراث بالاختلالات البيئية التي تحدثها في غياب للجهات المسؤولة والمنتخبة وصمتها الرهيب في هذا الصدد نظرا لعدم اهتمام المسؤولين في هذا المجال وعدم تفعيلهم القوانين المنظمة للمقالع، قوانين الهدف منها حماية البيئة وإعادة تهيئة المقالع بعد الاستغلال حتى لا تتحول الى حفر مشوهة، قانون المقالع المتضمن لنصوص قانونية إدارية وجنائية ومع ذلك تظل ممارسة الاستغلال البشع للمقالع الرملية قائمة حيث لا يمكن تصور حجم الأضرار الناجمة للسكان والبيئة من فرض الاستغلال الفاحش للمقالع الرملية بإقليم تاونات وآثارها الوخيمة على البيئة والأراضي الفلاحية الخصبة، نهب بلغت درجة خطورته حد إتلاف البيئة وإلحاق الضرر بها وبتوازناتها، أصبحت تتحكم في مسار هذه الثروة شركات معروفة، ملف تغلغلت فيه كل الفضائح وإلى حد خطير سيكون بمثابة نقطة تحول كبرى بالمنطقة في التعامل مع الظاهرة في غياب تفعيل المادة 15 من الفصل 9 المتعلق بمراقبة استغلال المقالع وغياب دور اللجنة الإقليمية المحدثة بموجب الدورية المشتركة لوزير الداخلية والتجهيز والفلاحة في مراقبة ما يقع بإقليم تاونات من فوضى عارمة في استنزاف خيرات المنطقة، ملف شائك يتطلب الإحالة على الجهات المختصة، وسنحاول في هذا “التقرير”، و هو ملخص وجيز لتحقيق أنجزته جريدة “فلاش 24″ على مقالع الرمال المتواجدة على تراب إقليم تاونات. و سنقوم بنشره عبر حلقات مفصلة في قادم الأيام، و ما خفي أعظم.
عدد المقالع المرخصة بإقليم تاونات
تاونات إقليم معروف بمناخه المعتدل وخضرة غابته، ولا يهتم أغلب الناس بمقالعه ولا بمن يستغل تلك المقالع، ذلك أن تربة المنطقة التي تخترقها أودية غنية بالرمال والحجر الرملي، وهي مواد تستعملها أوراش الأشغال.
يضم إقليم تاونات حسب ماهو مصرح به أربعة مقالع رملية واحد مقلع للحجارة، و هي على الشكل التالي: مقلع الحجارة و يتواجد على ملك خاص بجماعة المكانسة، و مقلع الرمال و يتواجد على ملك خاص بجماعة الغوازي، مقلع رمال ملك عام مائي على واد أولاي بجماعة الحاج امحمد، مقلع رمال ملك عام مائي على واد اللبن بجماعة عين معطوف، مقلع رمال ملك عام مائي على واد أسرى بجماعة بوهودة.
في حين يتحدث الجميع عن انتهاء الرخصة لشركتين لكنهما مازال يستخرجن الرمال خارج القانون و يتواجدن على نهر ورغة.
شركتين أخريتين قدمن طلب الاستغلال و لا زال طلبهما قيد الدراسة، الاستغلال سيكون بجماعة الوردزاغ و كلاز.
رفض طلب الشركة النائلة للشطر الثاني من الطريق الوطنية رقم 08 بين أولاد داود و عين معطوف.
مقالع أخرى غير قانونية
وبالإضافة لكل المقالع التي تكلمنا عنها، فإن هناك مقالع أخرى غير مرخصة لاستخراج الرمال منها، حيث تقوم مجموعة من الشاحنات بسرقة الرمال من هذه الأماكن ليل نهار بدون حسيب ولا رقيب، مما يتسبب في حرمان خزينة الدولة من مداخيل هامة، وإلحاق أضرار جسيمة بالبيئة نتيجة غياب دراسات يلزمها القانون ونهب لثروات البلاد وإلحاق أضرار اقتصادية للجماعات المعنية.
وقد أكدت لنا مصادر خاصة أنه بالإضافة إلى الاستغلال العشوائي لمقالع رمال غير مرخصة، هناك، أيضا، ظاهرة التوسع غير القانوني لمقالع تشتغل على أراض غير مرخص لها بالاشتغال فيها، بحيث ينص عقد الاستغلال على خمسة هكتارات مثلا، في حين أنها تشتغل على مساحة تناهز العشرين هكتارا، لتتوسع بذلك دائرة الاستغلال إلى مناطق قريبة من السكان مع ما يشكله الأمر من تهديد مباشر لهم.
خروقات قانونية
تتواصل الخروقات القانونية لمقالع الرمال، ولا سيما ما يتعلق بالمراقبة البيئية، وفوضى الشاحنات الضخمة التي تنقل الكميات المستخرجة من المقالع، بالإضافة إلى مساهمة شاحنات النقل التي يعتمدها أرباب هذه المقالع لنقل مستخرجاتهم في تدمير البنية الطرقية للمدن المجاورة لها، مع غياب الدقة في حصر الكميات المستخرجة من المقالع، وعجز الجماعات الترابية المعنية عن تتبع ومراقبة تنزيل دفاتر التحملات الموقعة بين الأطراف المعنية، حيث يتم اللجوء باستمرار إلى مقارنة الكميات المصرح بها للجماعات وتلك المصرح بها للمديريات الإقليمية للتجهيز والماء، وذلك في غياب آليات رسمية لتبادل المعلومات حول الكميات المستخرجة بالضبط، كما لوحظ عدم استخدام التقنيات الحديثة للمسح الطبوغرافي للتحقق من الكميات المستخرجة.
وحسب مصادر جد مطلعة التقيناها عند التحقيق، فإن التتبع الذي تقوم به هذه اللجان ما زال محدودا، إذ تم تسجيل مجموعة من الملاحظات بخصوص تعقيد المساطر الخاصة بفتح المقالع ومحدودية التتبع والمراقبة، فضلا عن إشكاليات متعلقة بالتدبير البيئي المرتبط بالاستغلال، إلى جانب غياب نظام محكم لتتبع الكميات المستخرجة، وهو أحد الرهانات الرئيسية في تدبير استغلال المقالع، حيث يمكن من خلاله ضبط المداخيل الضريبية واحترام الشروط البيئية للاستغلال.
أضرار المقالع
تحول الملك العام المائي بـ”واد ورغة” إلى نقطة سوداء: تشويه في المنظر العام للوادي وإضرار بالقشرة الأرضية، وللقيم الجمالية للطبيعة التي كان يوفرها هذا المكان، فالأطنان من الرمال التي توفرها هذه المقالع، تترتب عنها أثار سلبية مدمرة، تتمثل في تشويه ضفتي الوادي ومجراه، مما ينتج عنه اختلال في السيلان العادي للمياه، ويهدد بفيضانات في المناطق المجاورة للوادي خاصة في فصل الشتاء، ناهيك عن الضوضاء، والتأثير على الفرشة المائية والاستعمالات المرتبطة بها، وكذا تلوث الهواء بسبب الغبار الناتج عن عملية التجريف، والطحن، والغربلة، والتعبئة، وحركة الآليات والشاحنات، والذي يحتوي – حسب تقارير لمتخصصين- على جزيئات دقيقة، قد تحدث ضررا بصحة سكان “الدواوير” المجاورة، والنباتات، والحيوانات، وعلى مجمل النظام البيئي، دون أن ننسى تلوث المياه السطحية التي يستغلها السكان للسقي، وتعتبر مورد مياه للمواشي والأبقار.
غياب الدور الرقابي للجماعات القروية الجهات المختصة
يتعلق الأمر بالمكتب المسؤول عن المقالع بالعمالة، وبـ “وكالة الحوض المائي لسبو”، و الجماعات التي تتواجد على ترابها المقالع، وهي الجهات الرقابية التي تتولى عمليات المتابعة، ومراقبة مدى تطبيق القوانين والضوابط القانونية والبيئية المنظمة لعمل المقالع، وخاصة تلك التي لا تتوفر على أي إجراء خاص بحماية البيئة، والثروة النباتية، كما يتوجب عليها التدخل لحماية مصادر المياه من التلوث، وكذا إجراء دراسات الأثر البيئي الناجم عن تشغيل المقالع (الغبار، الدخان، الضوضاء،… الخ)، وخاصة إقامة أحزمة خضراء (التشجير)، لما لها من قدرة على تنقية الهواء من التلوث، وإضفاء فسحة جمالية، وإعادة تأهيل الأماكن التي لحقها الضرر، والتدقيق في عمليات منح رخص الاستغلال.
والسؤال المطروح من طرف أغلب من التقيناهم، هو عن خلفيات الغياب المشترك بين المجالس المنتخبة لهذه الجماعات، والسلطات الوصية، وغياب أي دور رقابي لهما، لوقف هذه الجريمة التي ترتكب في حق البيئة والساكنة، فبدل تكثيف الرقابة، وحث الشركات المستغلة على احترام كناش التحملات، والتقيد باستخراج الكميات المرخصة لوقف هدر هذه الموارد الطبيعية، وتعزيز المداخيل المالية لهذه الجماعات، لا يجد سكان هذه الجماعات إلا فوضى هدامة تأتي على الأخضر واليابس، مما يفند الشعارات الرسمية من قبيل: “الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة” و”مخطط المغرب الأخضر”.
تضارب المعطيات بين الجهات المختصة و خلل في المراقبة
سجلنا في هذا التحقيق من خلال مصادر جد مطلعة، غياب تبادل المعطيات بين وزارة التجهيز والماء والأجهزة العمومية التي تشرف على تدبير الوعاء العقاري المخصص للمقالع، لاسيما الوكالة الوطنية للمياه والغابات ووكالات الأحواض المائية ومديرية أمالك الدولة.
وفي هذا الإطار، لاحظنا تضارب في البيانات بين سجلات المديريات الإقليمية للتجهيز والماء والسجلات الوطنية لجرد المقالع كما تبين من خلال مقارنة بيانات الوكالة الوطنية للمياه والغابات والسجلات الوطنية لجرد المقالع، تضارب في عدد مقالع الملك الغابوي.
أما بخصوص مراقبة المقالع، لاحظنا تساهل اللجان الإقليمية المكلفة بمهمة المراقبة مع المخالفين.
ضعف التتبع البيئي
وفيما يتعلق بالتتبع البيئي لاستغلال المقالع، و رغم دسترة الحق في البيئة في الفصل 31 من الدستور الذي نص على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتسيير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات على قدم المساواة في الحق في الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة وكذا الفصل 35 منه الذي جاء فيه أن الدولة تعمل على تحقيق تنمية مستدامة في شأن تعزيز العدالة الاجتماعية والحفاظ على الثروات الطبيعية وعلى حقوق الأجيال القادمة سجلنا أن غالبية المقالع المستغلة لا تتوفر على الدراسة المتعلقة بالتأثير على البيئة، مما يحول دون تتبع هذه المقالع واحتواء آثارها البيئية، وذلك في غياب أي تقييم مسبق وتحديد للتدابير الكفيلة بإزالة التأثيرات السلبية أو التخفيف منها أو تعويضها.
كما تحول مجموعة من العوامل، دون تتبع الجوانب البيئية لاستغلال المقالع، كالافتقار إلى الموارد البشرية المؤهلة على مستوى المصالح اللاممركزة لوزارة التجهيز والماء، مسجلا غيابا في تحديد المواصفات التقنية التي يجب احترامها في ما يخص الآثار السلبية على البيئة كتلك المتعلقة بالضوضاء، والاهتزازات، وانبعاثات الغبار..
خلاصة، هناك نهب للرمال بإقليم تاونات، هذه حقيقة لا يمكن أن ينكرها أحد، إنها بمثابة تحصيل حاصل، وهو نهب غير مسبوق بلغت درجة خطورته حد اتلاف البيئة وإلحاق الضرر بها وبتوازناتها، آلاف الأمتار المكعبة من الرمال تقتلع يوميا دون أي اكتراث بالاختلالات البيئية التي تحدثها في غياب تام للسلطات المعنية والمنتخبة وصمتهما الرهيب في هذا الصدد.
أمام هذه الوضعية المقلقة التي خلص إليها التحقيق، فان المُلح لدى الرأي العام المحلي، هو إيفاد لجنة مستقلة ونزيهة، لمعاينة ما يجري بهذه المقالع، ونشر وتعميم نتائج هذه الزيارات لضمان شفافيتها.