تاونات.. المرجان السم القاتل الذي يقت البيئة عندما يختلط بطعم السياسة
عادل عزيزي
يشكل إنتاج زيت الزيتون في تاونات موردا اقتصاديا مُهمّاً يساهم في تنشيط الدينامية الاقتصادية في مدينة كانت، حتى عهد قريب، كما يقول أحد سكانها “كما تركها نوح أول مرة”، غير أن هذا المنتوج تحول، في السنين الأخيرة، إلى خطر داهم يتهدد الأرض والإنسان، بالنظر إلى المخلّفات الخطيرة التي تنتج عن عصر الزيتون، فثلث الإنتاج يوجه نحو استخلاص الزيوت بآلات عصرية أو تقليدية، فتنتج كميات هائلة من النفايات السائلة المعروفة بـ”المرجان” -والتي تحتوي على مادة خطيرة تسمى “الفيتور”ْ- الغنية بالمواد العضوية، التي تقتل البيئة و تلوث الموارد المائية.
في تاونات، ليست زيت الزيتون موردا اقتصاديا يسعف أهل المدينة والإقليم في مجابهة تكاليف الحياة فقط، بل إنها “تعصر” آلام المواطنين لتعطي منتوجا غريبا، قوامه زيت ممزوجة بغير قليل من السياسة ومدعمة بكثير من الأصوات الانتخابية…
لا يقدر سكان تاونات على الإفصاح عن الغيظ الذي يجثم على صدورهم جراء الخوف المستبدّ بهم ممن يسمونهم “تجار الألم”، فهم يدركون، تمامَ الإدراك، أن عصر الزيت يتم قبله عصر قلوب المواطنين و طحن آمالهم، ليصير ورقة رابحة يستغلّها أهل الانتخابات متى اقتضت الضرورة لذلك، لكن “الله غالبْ، أش غاتديرْ؟ ما عْندنا جْهد”، يقول الحاج محمد، وهو يطلق زفرة عميقة توحي بحجم حنقه.
دائمًا ما كانت السياسة بائسة في إقليم تاونات على نحو ما هي غائبة، لانحصارها قصرًا في طبقة أشخاص مصلحيين، يلجؤون إلى استغلال فقر وحاجة المواطن ليذله عبر التصدق عليه بسمكة نثنة..، وينتظر منه تقبيل القدم قبل اليد في إذلال تام لروح الإنسان فيه..، وصار هؤلاء يتلذذون بفقر الناس وبازدياد فقرهم وجهلهم.. لأنهم يعرفون أنه كلما زاد الفقر كلما كثر الاتباع.
“سياسيين” بضاعتهم بيع الأوهام الزائفة جريا وراء الكراسي والفوز بالانتخابات، سياسيين يحترفون قول ما لا يفعلون وينثرون الرماد في العيون وهمهم الوحيد تحقيق مصالحهم الشخصية، تراهم في المجالس الترابية في البرلمان في كل مكان جاثمين على صدور البؤساء!!!
تصرفات أنانية يقومون بها أشخاص لا ضمير لهم يلهثون فقط وراء مراكمة الأرباح و لو بطرق غير مشروعة وغير قانونية تلويث البيئة، إحراق الغابات..، إن ما يقع لإقليم تاونات يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون.
من المحزن فعلا أن يستمر الإقليم في وضعه المأساوي هذا، الذي لا تبدو له نهاية قريبة .. مطوق بمعظم المآسي التي يعيشها سكان الكرة الأرضية، فبعكس الضجيج اليومي الذي يحدثه المطبلون بأن إقليم تاونات بصدد تحقيق طفرات مهمة تنمويا واقتصاديا، فإن واقع الحال يدل على عكس ذلك تماما بلغة الأرقام والمؤشرات التي لا تكذب، ولا تحابي..
إلى متى هذا الصمت المطبق من المسؤولين؟ الى متى هذا الوهن والضعف من مدبري الشأن العام المحلي؟ إلى متى هذا العجز والخوف من جمعيات المجتمع المدني؟
ألم يان للفعاليات المجتمعية أن تأخذ زمام المبادرة والفعل؟ إلى متى سيبقى المجتمع عاجز عن النهوض؟ إلى متى سيبقي كل ما تقوم به بعض المبادرات عبارة عن ردات فعل لا تتعدى حدود المكان والزمان؟