من العطش والعزلة إلى الفرج… إقليم خنيفرة يتنفس أملا جديدا في ذكرى المسيرة الخضراء
-تقريرخنيفرة…فاطمة الزهراء امكاشتو
لسنوات طويلة عاشت ساكنة عدد من جماعات إقليم خنيفرة على وقع معاناة يومية صامتة، معاناة لم تكن تظهر في الصور، لكنها كانت حاضرة في كل تفاصيل الحياة معاناة مع الماء الذي ينقطع في عز الحاجة ويجعل الأسرة كلها تعيش على أعصابها بحثا عن قطرة، ومع أحياء ناقصة التجهيز تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم، ومع طرق ومسالك مهترئة تزيد من عزلة الدواوير، وتحول التنقل البسيط إلى رحلة شاقة، خصوصا في فصل الشتاء معاناة كان يعيشها الفلاح الذي يصعب عليه تسويق منتوجاته، والتلميذ الذي يقطع الكيلومترات للوصول إلى مدرسته، والمريض الذي يجد صعوبة في الوصول إلى المستشفى والمرأة التي تحمل وحدها ثقل جلب الماء وقساوة البعد
لكن يوم الخميس 5 نونبر 2026، عشية تخليد الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة جاء الفرج الذي طال انتظاره فقد أشرف عامل إقليم خنيفرة، محمد عادل إهوران، على تدشين وإطلاق حزمة من المشاريع التنموية الكبرى بعدد من الجماعات الترابية، في رسالة واضحة بأن زمن التهميش قد ولى، وأن التنمية بدأت تصل فعلا إلى عمق الجبال والدواوير المنسية
في جماعة القباب، التي كانت عنوانا لهذه المعاناة، كان الماء في صدارة المشاريع، لأنه أصل الحياة. فقد تم تدشين مشروع ضخم لتقوية وتأمين تزويد مركز القباب والدواوير المجاورة بالماء الصالح للشرب بغلاف مالي يفوق 42 مليون درهم، لضمان استمرارية التزويد على المدى البعيد، ومواكبة التوسع العمراني والاستجابة للطلب المتزايد. ومن المرتقب أن يستفيد منه حوالي 13 ألف و500 نسمة، في ظروف تحفظ كرامتهم وتنهي معهم سنوات القلق حول قطرة الماء. ولم يتوقف الأمل عند الماء، بل امتد إلى الفضاء الذي تعيش فيه الساكنة، حيث أعطيت انطلاقة أشغال تهيئة وتأهيل الأحياء ناقصة التجهيز بكلفة تتجاوز 21 مليون درهم، على مدى 12 شهرا، لتهيئة 46 ممرا داخل الأحياء وإحداث ساحة عمومية جديدة، تمنح الساكنة فضاءات نظيفة ومنظمة تليق بها. كما تم إطلاق مشروع توسيع الشبكة الكهربائية ذات الجهد المتوسط، باستثمار يفوق 3.8 مليون درهم، وبمدة إنجاز لا تتجاوز ستة أشهر، ليضع حدا لضعف التيار والانقطاعات المتكررة. أما الطرق فقد نالت حظها من التنمية، من خلال مشروع بناء مسالك طرقية بغلاف مالي يناهز 21 مليون درهم، على طول إجمالي يصل إلى 16.810 كيلومترا ويهم مسلك آيت إيشو تغغيت عبر الطريق الوطنية رقم 29 إلى جانب المسالك التابعة لدوار ليندا، لتفك العزلة وتسهل التنقل وتمنح الفلاح والتلميذ والمريض طريقا آمنا نحو الحياة
ولم تكن المعاناة حكرا على القباب، بل كانت حاضرة أيضا في جماعة كروشن، حيث كانت المسالك الوعرة تعيق تسويق المنتجات الفلاحية وتجعل الوصول إلى الخدمات الاجتماعية صعبا هناك أعطيت انطلاقة أشغال تهيئة المسلك القروي الرابط بين الطريق الإقليمية رقم 7308 ودوار ايبغلان ودوار أروكو، بغلاف مالي يفوق 9.1 مليون درهم، تحت إشراف المديرية الإقليمية للفلاحة في خطوة ستسهل على الفلاحين تسويق منتوجاتهم والتزود بوسائل الإنتاج وستحسن تنقل الساكنة وتدعم مؤهلات السياحة الجبلية بالمنطقة
ونفس الفرج وصل إلى جماعة سيدي يحيى وسعد التي عانت دواويرها طويلا من العزلة وضعف الربط الطرقي فقد أعطيت هناك انطلاقة أشغال بناء طريقين غير مصنفين الأولى الرابطة بين أكلمام أزوكاغ وأكناون عبر شيشاو، على طول 13.5 كيلومترا بغلاف مالي يتجاوز 15 مليون درهم، والثانية الرابطة بين أقا أوسلم وتاشرشموت على امتداد 7 كيلومترات بكلفة تفوق 7 ملايين درهم، لتنتهي بذلك سنوات من المعاناة مع الطرق المقطوعة والتنقل الصعب
إن ما عاشه إقليم خنيفرة في هذا اليوم ليس مجرد تدشين مشاريع، بل هو بداية صفحة جديدة. صفحة يتحول فيها العطش إلى ماء جار، والعزلة إلى طرق مفتوحة، والظلام إلى نور، والأحياء المهمشة إلى فضاءات للحياة صفحة كتبت بمداد المسيرة الخضراءالتي علمت المغاربة أن الإرادة حين تكون صادقة، تصنع المستحيلوأن الفرج حين يأتي بعد طول صبر يكون أجمل وأبقى.