تقرير جديد يرصد تحولات الحالة الدينية بالمغرب بين 2020 و2023
م. ع
صدر حديثا عن مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث بالرباط، الجزء الرابع من سلسلة «تقرير الحالة الدينية في المغرب»، في مؤلف جماعي يمتد على 403 صفحات، ويضم إحدى عشرة دراسة ترصد وتحلل أداء أبرز المؤسسات والفاعلين في الحقل الديني المغربي، خلال الفترة الممتدة أساسا من يناير 2020 إلى دجنبر 2023، وذلك في إطار مشروع بحثي يروم توثيق التحولات التي يعرفها الشأن الديني بالمغرب ومتابعة مختلف الفاعلين المؤثرين فيه.

ويأتي هذا الإصدار استكمالا لثلاثة تقارير سابقة أصدرها المركز، تناولت على التوالي الفترات الممتدة من 2014 إلى 2016، ومن 2016 إلى 2018، ومن 2018 إلى 2020، ليواصل بذلك المركز تتبع تطورات الحقل الديني المغربي، من خلال رصد الوقائع والأنشطة والتصريحات والوثائق الصادرة عن المؤسسات والهيئات والفاعلين، وإخضاعها للقراءة والتحليل.
وفي هذا السياق، يوضح معدو التقرير أن العمل لا يقدم استطلاعا ميدانيا لقياس درجة تدين المغاربة أو مواقفهم من الدين، وإنما يعتمد على جمع وتحليل مادة توثيقية واسعة تشمل التقارير المؤسساتية والبلاغات الرسمية والدراسات الأكاديمية والمقالات الصحافية، إلى جانب تتبع أنشطة الفاعلين في الحقل الديني، بما يسمح بتقديم صورة مركبة عن التحولات التي عرفها الشأن الديني خلال فترة اتسمت، على الخصوص، بتداعيات جائحة كورونا وتسارع الرقمنة وتغير أنماط التواصل الديني.
ومن هذا المنطلق، ينفتح التقرير على مجموعة من الأسئلة المرتبطة بملامح التدين السائدة في المجتمع المغربي، والتحولات التي طرأت على علاقة المغاربة بالدين، فضلا عن تأثير العولمة ووسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في أنماط التدين، والتحديات العقدية والمذهبية والإيديولوجية التي تواجه الحقل الديني، إلى جانب موقع الدين ضمن سياسات الدولة وأداء المؤسسات المكلفة بتدبيره.
وفي مقدمة القضايا التي يتوقف عندها الإصدار الجديد، تحضر مؤسسة إمارة المؤمنين باعتبارها إحدى ركائز تنظيم المجال الديني بالمغرب، حيث تتناول دراسة للباحث والمؤرخ محمد عزلي بعنوان «إمارة المؤمنين دعامة للأمن الروحي، محليا وإقليميا ودوليا» أنشطة المؤسسة خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2023، وأدوارها في تأطير الشأن الديني ورعاية الأقليات الدينية، فضلا عن امتداد حضورها في عدد من البلدان الإفريقية.
وفي السياق ذاته، يتابع التقرير أداء المؤسسات الدينية الرسمية، من خلال دراسة للباحث ياسين بوشوار، ترصد منجزات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجلس العلمي الأعلى والرابطة المحمدية للعلماء وجامعة القرويين ودار الحديث الحسنية ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، وغيرها من المؤسسات المرتبطة بتدبير الشأن الديني.
كما تستحضر الدراسة تدبير المرحلة التي أعقبت جائحة كورونا، خصوصا ما ارتبط بإغلاق المساجد والمؤسسات الدينية ثم إعادة فتحها، إلى جانب البرامج المتعلقة بالتعليم العتيق ومحو الأمية وتأهيل القيمين الدينيين والتكوين والتعاون والتواصل المؤسساتي. وفي مقابل تسجيل الجهود المبذولة خلال فترة الرصد، يشير التقرير إلى استمرار عدد من التحديات المرتبطة باستكمال هيكلة الحقل الديني وتأهيل الموارد البشرية وتطوير الإمكانات اللوجستية والتواصلية، فضلا عن تفاوت الحضور الإعلامي والرقمي لبعض المؤسسات.
ومن جهة أخرى، يخصص الإصدار حيزا مهما للزوايا والطرق الصوفية، من خلال دراسة للباحثة سهام أبعير حول أدائها بين 2020 و2023، حيث تكشف الدراسة عن التحولات التي فرضتها جائحة كورونا على أنشطتها، بعدما انتقل جانب من الدروس والأذكار والبيانات والندوات إلى الفضاء الرقمي، وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية وسيلة إضافية للتواصل مع المريدين والمتابعين.
وبالتوازي مع ذلك، يبرز التقرير أن أدوار الزوايا لم تعد مقتصرة على التربية الروحية والسلوك، وإنما امتدت إلى قضايا التسامح والسلم ومواجهة التطرف والتنمية الاجتماعية وتثمين التراث والدفاع عن الوحدة الترابية، مع استمرار حضور الطرق الصوفية ضمن ما يعرف بالدبلوماسية الروحية المغربية، ولا سيما في عدد من البلدان الإفريقية.
وفي جانب آخر، يحظى موضوع الإرهاب والتطرف العنيف بمساحة بارزة ضمن التقرير، إذ يتناول محمد الزهراوي تطور الظاهرة الإرهابية والمقاربة الأمنية المغربية خلال الفترة الممتدة من 2003 إلى 2023، مع التركيز على المقاربة الاستباقية وتجفيف منابع التمويل وتعزيز التعاون الأمني الدولي. كما يتطرق عبد الله الشرقاوي إلى التطرف العنيف من زاوية المتابعات القانونية والحقوقية، فيما ترصد سمية سعفان جهود المغرب الوطنية والإقليمية والدولية في مواجهة الإرهاب خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2023.
وفي هذا الإطار ، يتوقف يوسف شريف الميموني عند المواجهة الفكرية المغربية للتطرف باسم الدين، متتبعا تفاعل الباحثين والمفكرين مع أحداث 16 ماي 2003 وأدبيات الجماعات المتطرفة، حيث يسجل وجود إنتاج مهم من المقالات والكتب في هذا المجال، مقابل محدودية الدراسات البحثية المعمقة مقارنة بحجم الظاهرة وتشعب أبعادها.
أما على مستوى مغاربة العالم، فيرصد التقرير المستجدات الدينية التي عرفتها الجالية المغربية بين 2020 و2023، من خلال دراسة لرشيد إيهوم تتناول قضايا المساجد والتأطير الديني والهوية والاندماج، فضلا عن التحولات التي تواجه النموذج الديني المغربي داخل المجتمعات الأوروبية، وما تفرضه هذه التحولات من أسئلة مرتبطة بقدرة المؤسسات والفاعلين على مواكبة الأجيال الجديدة من المغاربة المقيمين بالخارج.
وبالإضافة إلى ذلك، يتناول الإصدار التحولات التي عرفتها بعض الحركات الإسلامية المغربية، إذ يتابع عبد السلام كوراحي أداء حركة التوحيد والإصلاح بعد الانتخابات التشريعية لسنة 2021، وما أعقبها من نقاش داخلي حول المراجعة والإصلاح والعلاقة بين العمل الدعوي والسياسي، إلى جانب المخطط الاستراتيجي الذي اعتمدته الحركة للسنوات المقبلة.
وفي السياق ذاته، يخصص عبد الرحمن الأشعاري دراسة لجماعة العدل والإحسان تحت عنوان «جماعة العدل والإحسان: مخاض المراجعات»، متوقفا عند الوثيقة السياسية التي قدمتها الجماعة والسياقات المحيطة بإصدارها، فضلا عن القراءات المتباينة لمضامينها وما أثارته من نقاش حول مستقبل علاقة الجماعة بالمشاركة السياسية.
ويختتم التقرير بدراسة للباحثة لمياء العمراني حول النخب اليهودية في التاريخ المغربي، تتناول جذور الوجود اليهودي بالمغرب وتحولات العلاقة بين المسلمين واليهود، إلى جانب الأدوار السياسية والاقتصادية التي أدتها شخصيات يهودية في مراحل مختلفة من التاريخ المغربي، بما يضيء أحد مكونات التنوع الديني والثقافي الذي عرفه المجتمع المغربي عبر مراحل تاريخية متعددة.
وبذلك، يقدم الإصدار الرابع من «تقرير الحالة الدينية في المغرب» قراءة متعددة الزوايا للحقل الديني، تجمع بين المؤسسات الرسمية والزوايا والطرق الصوفية والحركات الإسلامية وقضايا التطرف وتدين مغاربة العالم والتاريخ اليهودي. كما يضع هذه المكونات ضمن سياق أوسع تحكمه تحولات اجتماعية وثقافية ورقمية متسارعة، أثرت في طرق إنتاج الخطاب الديني وتداوله وتلقيه.
وفي هذا الصدد، يشير منتصر حمادة، الذي تولى صياغة تقديم التقرير، إلى أن العمل يروم الإسهام في التفاعل النظري مع المستجدات التي طرأت على أنماط التدين في الساحة المغربية، من خلال التوقف عند المعطيات والوقائع المرتبطة بأهم المبادرات الصادرة عن مختلف الفاعلين في الحقل الديني، وفي مقدمتهم مؤسسة إمارة المؤمنين، إلى جانب المؤسسات الدينية الرسمية والزوايا والطرق الصوفية والجماعات الإسلامية وغيرها من الفاعلين.
كما أنه لا يقتصر التقرير على جرد أداء الفاعلين خلال فترة زمنية محددة، وإنما يسعى، من خلال المعطيات التي يجمعها والتحليلات المرافقة لها، إلى تقديم أجوبة أولية عن مجموعة من الأسئلة المرتبطة بتطور التدين المغربي، ومدى تأثره بالتحولات الاجتماعية والقيمية والإقليمية والدولية، فضلا عن التحديات العقدية والمذهبية والإيديولوجية التي يواجهها الحقل الديني.
و تبرز أهمية الإصدار الجديد في كونه يجمع مادة بحثية وتوثيقية كانت موزعة بين مصادر متعددة، ويضعها ضمن إطار واحد يسمح بتتبع التحولات التي عرفها الشأن الديني المغربي خلال أربع سنوات. كما يوفر للباحثين والمهتمين مادة يمكن الاستناد إليها في دراسة علاقة المجتمع بالدين، وأداء المؤسسات والفاعلين، وتأثير التحولات الرقمية والاجتماعية والثقافية في أنماط التدين، دون أن يدعي التقرير تقديم قياس نهائي أو شامل لدرجة تدين المجتمع المغربي.
وبذلك، يشكل «تقرير الحالة الدينية في المغرب» في نسخته الرابعة امتدادا لمشروع بحثي يسعى إلى توثيق التحولات التي يعرفها الحقل الديني المغربي، وقراءة أداء مختلف الفاعلين داخله، في مرحلة تتسم بتسارع التحولات الاجتماعية والتكنولوجية وتنامي تأثير وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، وما يرافق ذلك من إعادة تشكيل طرق إنتاج الخطاب الديني وتداوله وحضوره داخل المجتمع .