شنغن على حافة الانهيار سبتة تشعل تمردا أوروبيا على سياسة الحدود
بقلم/ سيداتي بيدا
لم تعد سبتة مجرد مدينة حدودية تعيش ضغطًا استثنائيًا بسبب الهجرة غير النظامية، بل تحولت إلى نقطة ارتجاج سياسي داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما بدأت إحدى ركائز المشروع الأوروبي، اتفاقية “شنغن”، تدخل دائرة التساؤل والاختبار. فما شهدته المدينة خلال الأيام الأخيرة لم يهز الحدود الإسبانية وحدها، بل امتدت أصداؤه إلى عواصم أوروبية باتت ترى في الأزمة إنذارًا يتجاوز الطابع المحلي.
وفي هذا السياق، برز الموقف الإيطالي باعتباره الأكثر تشددًا، بعدما أعلنت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أن حكومتها تدرس إجراءات استثنائية لمواجهة تداعيات الأزمة، من بينها بحث تعليق العمل باتفاقية شنغن مع إسبانيا إذا اقتضت التطورات ذلك، في رسالة سياسية تعكس تصاعد المخاوف من انتقال تدفقات الهجرة إلى عمق القارة الأوروبية.
ولم يكن هذا الموقف معزولًا عن مشاهد العبور الجماعي التي شهدتها سبتة، حيث وصل آلاف المهاجرين انطلاقًا من السواحل المغربية، بينما تحدثت تقارير عن سقوط ضحايا وفقدان آخرين خلال محاولات الوصول سباحة، في مشاهد أعادت إلى الواجهة المأساة الإنسانية المرتبطة بالهجرة غير النظامية، وكشفت في الوقت نفسه هشاشة المنظومة الأوروبية في التعامل مع الأزمات المفاجئة.
وأكدت ميلوني، عقب اجتماعها بوزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي، أن أمن الحدود الأوروبية لا يمكن أن يبقى رهينة لردود أفعال متأخرة، معتبرة أن استمرار تدفقات الهجرة خارج الأطر القانونية يفرض مراجعة أدوات الحماية والتنسيق بين الدول الأعضاء.
وتكشف هذه التطورات عن أزمة أعمق من مجرد إدارة الحدود؛ فهي تضع الاتحاد الأوروبي أمام اختبار سياسي صعب بين الحفاظ على مبدأ حرية التنقل الذي قامت عليه اتفاقية شنغن، وبين الضغوط الداخلية التي تدفع بعض الحكومات إلى تشديد الرقابة واتخاذ تدابير استثنائية كلما تصاعدت موجات الهجرة.
وإذا استمرت الأزمة في الاتساع، فإن النقاش الأوروبي قد لا يقتصر على كيفية احتواء تدفقات المهاجرين، بل قد يمتد إلى إعادة تقييم بعض آليات التعاون الحدودي داخل الاتحاد نفسه. وعندها، ستكون سبتة قد تجاوزت كونها معبرًا للهجرة، لتصبح عنوانًا لأزمة سياسية وأمنية تختبر تماسك المشروع الأوروبي في واحدة من أكثر قضاياه حساسية.
اليوم، تبدو أوروبا أمام مفترق طرق؛ فإما أن تنجح في بناء سياسة موحدة وأكثر فاعلية لإدارة الحدود والهجرة، أو تواجه تصاعدًا في الإجراءات الأحادية التي قد تزيد من الضغوط على منظومة التنسيق الأوروبية، وتفتح فصلًا جديدًا من الجدل حول مستقبل فضاء شنغن.