عندما تسحل الكرامة وتسقط الشعارات.. حادثة هولندا تكشف الوجه الآخر لحقوق الإنسان
بقلم/ سيداتي بيدا
ليست كل الصور التي تهز الرأي العام مجرد لقطات عابرة، فبعضها يتحول إلى شهادة دامغة على التناقض بين ما يرفع من شعارات وما يمارس على أرض الواقع. هذا ما حدث عندما وثّقت مشاهد متداولة تعرض امرأة فلسطينية مسلمة للسحل والعنف أمام زوجها على يد عناصر من الشرطة الهولندية، في واقعة أثارت موجة واسعة من الغضب والاستنكار.
المشهد لم يكن صادما فقط بسبب العنف الذي طال امرأة أعزل، بل لأنه أعاد طرح سؤال جوهري ظل يتردد كلما تعلق الأمر بانتهاكات تمس فئات بعينها هل حقوق الإنسان مبدأ عالمي فعلا، أم أنها تطبق بانتقائية وفق الهوية والانتماء والظروف السياسية؟
في كثير من الأحيان، تقدّم الدول الغربية باعتبارها النموذج الأرقى في احترام الحريات والكرامة الإنسانية، غير أن بعض الوقائع الميدانية تكشف فجوة مقلقة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية. فعندما تجر امرأة على الأرض أمام أعين الناس، ويُعامل زوجها بعنف وهو يحاول حمايتها، فإن الحديث عن الكرامة الإنسانية يصبح بلا قيمة إن لم يترجم إلى سلوك يحترم الإنسان أياً كانت خلفيته.
وقد أثار موقف الزوج اهتماما واسعا ،بعدما حاول الدفاع عن زوجته في لحظة شعر فيها بأن كرامتها تتعرض للإهانة. وبعيدا عن أي تأويلات أخرى، فإن رد فعله يعكس قيمة إنسانية أصيلة تتمثل في رفض مشاهدة الظلم أو القبول بإهانة الأقرباء والصمت عنها.
القضية لا تتعلق بالمفاضلة بين الشرق والغرب، ولا بإطلاق الأحكام العامة على المجتمعات، بل تتعلق بمبدأ بسيط وواضح الكرامة الإنسانية لا تتجزأ. فالانتهاك يبقى انتهاكا مهما كان مرتكبه، والضحية تستحق الحماية نفسها مهما كان دينها أو جنسيتها أو انتماؤها.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه منظومة حقوق الإنسان اليوم ليس كثرة الانتهاكات فحسب، بل فقدان المصداقية الناتج عن ازدواجية المعايير.
فحين يدان الظلم في مكان ويبرَّر في مكان آخر، تتحول الحقوق إلى شعارات سياسية أكثر منها قيماً إنسانية.
العالم لا يحتاج إلى مزيد من الخطب الرنانة ولا البيانات المنمقة، بل إلى عدالة متساوية تحمي الجميع دون استثناء. فالأقنعة قد تنجح في إخفاء الحقائق لبعض الوقت، لكنها تسقط دائماً أمام مشهد واحد يكشف الفارق بين من يؤمن فعلاً بكرامة الإنسان، ومن يكتفي باستثمارها كشعار للاستهلاك الإعلامي.