منصور إسكوديرو: سيرة طبيب أعاد تشكيل الحضور الإسلامي في إسبانيا

0 83

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

 

بقلم/ سيداتي بيدا

 

في مسار استثنائي جمع بين الطب والفكر والدعوة، يبرز اسم منصور إسكوديرو بوصفه أحد أبرز الوجوه التي أسهمت في إعادة صياغة الحضور الإسلامي في إسبانيا المعاصرة. ولد باسم فرانسيسكو إسكوديرو بيداتي عام 1947، وتلقى تعليمه في مؤسسات يسوعية مرموقة، قبل أن يتخصص في الطب والجراحة ثم الطب النفسي العصبي في جامعة كومبلوتنسي بمدريد. غير أن تحوله الفكري والروحي إلى الإسلام شكّل نقطة انعطاف حاسمة، نقلته من المجال الطبي البحت إلى فضاء أوسع من العمل الثقافي والديني.

لم يكن اعتناقه للإسلام مجرد تجربة شخصية، بل تحوّل إلى مشروع حياة متكامل. إذ برز إسكوديرو، الذي اختار اسم “منصور”، كفاعل مركزي في تنظيم العمل الإسلامي داخل إسبانيا، حيث ساهم في تأسيس اتحاد المؤسسات الدينية، وتولى قيادته، كما اضطلع بدور محوري في إدارة الجمعية الإسلامية في قرطبة. وقد سعى، من خلال هذه الأطر، إلى بناء خطاب إسلامي معاصر، متجذر في الواقع الإسباني، ومنفتح على الحوار.

ومن أبرز إسهاماته إطلاق منصة “ويب إسلام”، التي تحولت إلى منبر فكري وإعلامي يعكس قضايا المسلمين الناطقين بالإسبانية، ويطرح أسئلة الهوية والاندماج والتحديات الثقافية. كما أسس مجلة “إسلام بيردي” ومجموعة “شهادة” الأدبية، في محاولة لخلق فضاء ثقافي يعبر عن صوت الجالية الإسلامية الأندلسية بلغة العصر.

وعلى الصعيد الإنساني، لم تنحصر جهوده داخل حدود بلاده، بل امتدت إلى دعم مشاريع مكافحة الجوع في عدد من دول غرب إفريقيا، ما يعكس بعدا تضامنيا يتجاوز الانتماء الجغرافي.

غير أن مسيرته لم تخل من التحديات، فقد خاض نقاشا قانونيا ودينيا معقدا حول حق المسلمين في الصلاة داخل مسجد قرطبة، الذي تحوّل إلى كاتدرائية منذ القرن الثالث عشر. وقد شكّل موقفه هذا رمزا للمطالبة بالاعتراف التاريخي والديني، في سياق أوروبي حساس تجاه قضايا الهوية.

وفي حياته الشخصية، شكّل فقدان زوجته، التي اعتنقت الإسلام بدورها، لحظة مأساوية، إلا أنه واصل مسيرته بثبات، متمسكا برؤيته الإصلاحية.

رحل منصور إسكوديرو عام 2010، تاركا إرثا مركبا يجمع بين الفكر والعمل والتنظيم. وبينما تختلف القراءات حول تأثيره، يبقى حضوره علامة فارقة في تاريخ الإسلام الأوروبي الحديث، ونموذجا لشخصية جمعت بين المعرفة والالتزام، وسعت إلى بناء جسور بين الإيمان والواقع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.