جماعات على حافة الثقة : حين تتحول التنمية إلى سؤال محرج والمال العام إلى ملف مفتوح
محمد عبيد
مع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية، تعود الأسئلة الثقيلة لتطفو على سطح النقاش المحلي: ماذا حققت بعض الجماعات الترابية فعليا؟ وأين ذهبت الموارد؟ ولماذا تتكرر تقارير الاختلالات كلما اقترب موعد الانتخابات؟
المشهد في عدد من جماعات جهة فاس – مكناس، كما تعكسه تقارير رقابية ونقاشات دورات المجالس، يكشف توترا صامتا بين خطاب التنمية وواقع التدبير.
سلطة واسعة… ورقابة تتأخر
رئيس الجماعة، بصفته آمرا بالصرف، يمتلك صلاحيات محورية في تنفيذ الميزانية وإبرام الصفقات. هذه الصلاحيات وجدت لتسريع التنمية، لكنها تتحول إلى نقطة هشاشة حين تغيب الشفافية الصارمة والرقابة الاستباقية.
تقارير المجالس الجهوية للحسابات غالبا ما تكشف اختلالات بعد وقوعها، أي بعد أن يكون الضرر قد حدث، لا قبله. السؤال هنا ليس فقط: من أخطأ؟ بل: لماذا لم يتم التنبيه مبكرا؟
صفقات تحت المجهر
حين تختلط المصالح العامة بشبهات تضارب المصالح
الصفقات العمومية تمثل العمود الفقري للاستثمار المحلي. لكن حين تتكرر الملاحظات حول ضعف المنافسة، أو تركز الاستفادة في محيط ضيق، يتحول الملف من إجراء إداري إلى قضية ثقة عامة.
تضارب المصالح، إن ثبت، لا يعد مجرد خرق مسطري، بل ضربة مباشرة لمبدأ تكافؤ الفرص ولمصداقية المؤسسة المنتخبة.
الجبايات المحلية… الثروة الضائعة:
في عدد من الجماعات، يظل “الباقي استخلاصه” رقما يتضخم سنة بعد أخرى. ضعف التحصيل، غياب التحديث الرقمي، أو الانتقائية في المتابعة، كلها عوامل تضعف المداخيل الذاتية كما هو الحال بافران وأزرو.
والنتيجة؟ جماعات تعتمد بشكل شبه كلي على تحويلات الدولة، بدل بناء استقلال مالي تدريجي يرسخ الجهوية المتقدمة.
التوظيف بين الحاجة والزبونية
التوظيف داخل بعض الجماعات يثير بدوره نقاشا متجددا. هل يتم وفق حاجيات فعلية وهيكلة مدروسة؟ أم يتحول أحيانا إلى أداة لترضية انتخابية؟
عندما تصبح الموارد البشرية عبئا ماليا دون مردودية واضحة، تدفع التنمية الثمن مرتين: مرة عبر تضخم النفقات، ومرة عبر ضعف الأداء.
أملاك الجماعة… رافعة تنمية أم فرصة ضائعة؟
العقار الجماعي يفترض أن يكون أداة استراتيجية للاستثمار وجلب المشاريع. لكن ضعف التقييم، أو غياب المنافسة العلنية في التفويت أو الكراء، قد يحول هذا الرصيد إلى مصدر جدل بدل أن يكون قاطرة تنموية.
الشفافية هنا ليست خيارا أخلاقيا فقط، بل ضرورة اقتصادية.
أزمة حكامة أم أزمة مساءلة؟
المفارقة أن الإطار القانوني المنظم للجماعات تطور خلال السنوات الأخيرة، لكن الإشكال يكمن في التفعيل الصارم.
القوانين موجودة، لكن التطبيق المتفاوت يخلق فجوة بين النص والممارسة.
هل نحن أمام أزمة حكامة محلية؟
أم أمام ضعف في منظومة المساءلة والردع؟
أم أمام ثقافة سياسية لم تحسم بعد مع منطق “التدبير بمنطق الولاء” بدل “التدبير بمنطق النتائج”؟
مع اقتراب الانتخابات… من يحمي المال العام؟
كلما اقترب الاستحقاق الانتخابي، يرتفع منسوب القرارات المثيرة للجدل في بعض المجالس. وهنا يبرز دور أجهزة المراقبة:
هل تتدخل بشكل استباقي؟
هل تملك الوسائل الكافية؟
هل يتم ربط المسؤولية بالمحاسبة في الزمن المناسب؟
المواطن اليوم لا ينتظر بلاغات تبريرية، بل يريد مؤشرات واضحة:
مشاريع منجزة، حسابات شفافة، ومسؤولين يخضعون للمساءلة.
الثقة ليست شعارا
لا يمكن الحديث عن جهوية متقدمة دون جماعات قوية ماليا وإداريا.
ولا يمكن بناء تنمية محلية مستدامة في مناخ تحوم حوله شبهات متكررة.
الثقة تبنى بالأرقام المنشورة، بالصفقات المفتوحة للمنافسة، وبقرارات تتخذ في وضح النهار.
أما الغموض، فيترك فراغا تملؤه الشكوك.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقا:
هل تتحول هذه المرحلة إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للجماعات؟
أم تستمر الحلقة نفسها مع كل ولاية جديدة؟
الوقت لا ينتظر… والتنمية لا تتحقق بالشعارات، بل بالحكامة الصارمة والمساءلة العادلة.