المشتبه به.. أ – 47 

0 908

عادل عزيزي

يبدو أن لوحة الترقيم “أ-47” لم تعد رقما إداريا، بل نسخة محلية من فيلم Agent 47  فبمجرد ظهورها على الطريق، يفترض أن السيارة قادمة من مهمة سرية، وأن سائقها يحمل في جيبه مسدسا وليس رخصة سياقة، هنا لا يحتاج الدركي أو الشرطي إلى مخالفة، يكفيه الرقم، فالسيناريو جاهز، والتشويق يبدأ عند الحاجز.

غير أن الفرق الجوهري بين “العميل 47” الهوليودي وسائق “أ-47” المغربي، أن الأول مدرب على الإفلات، بينما الثاني مدرب فقط على فتح صندوق السيارة، وإخراج الوثائق، وتبرير وجوده في الطريق، و الإجابة عن الأسئلة، “منين ماجي..؟ فين ماشي..؟ شكون هادو اللي معاك..؟ و أسئلة أخرى لا علاقة لها بقانون السير..!؟.

يبدو أن لوحة الترقيم “أ-47” ارتكبت خطأ جسيما في حياتها السابقة، خطأ لم يغفر لها إلى اليوم، فمنذ أن خرجت إلى الوجود وربطت نفسها بإقليم تاونات، وهي تعيش تحت نظام مراقبة لا يحظى به حتى لصوص المال العام، لوحة لا تنام، لأنها كلما تحركت، تحرك معها الشك.

على الطرق الوطنية، يمكن لسيارة “أ-47″ أن تكون نموذجا في الانضباط، سرعة قانونية، سائق هادئ، ووثائق مرتبة بعناية، لكن هذا كله لا يشفع لها، فبمجرد أن تلمحها عين أمنية مدربة، ترفع اليد تلقائيا، ” زيار على ليمين”، ليس لأن هناك مخالفة، بل لأن الرقم “يستحق الوقوف”، لماذا؟ لا أحد يعرف، هكذا فقط… إحساس مهني.!.

الغريب أن لوحات أخرى، تحمل نفس الحرف “أ”، لكنها بأرقام أقل “إزعاجا”، تمر بسلام وكأنها تحمل جواز سفر دبلوماسي، “أ-1″، “أ-6″، وربما “أ-40″، كلها أرقام محترمة، عاقلة، لا تسبب القلق، أما “أ-47″، فهي رقم مريب، رقم يطرح عليه السؤال قبل أن يطرح هو نفسه على الطريق.

أما سيارات الأجرة الكبيرة الرابطة بين تاونات وباقي المدن، فهي الأكثر معاناة، لأنها لا تسافر وحدها، بل تصطحب معها عددا من الركاب الأبرياء إلى مسرح التفتيش، الرحلة التي يفترض أن تكون روتينية، تتحول إلى عرض مباشر، “لاكارط ديالاك أنت..!”، ” شنو هاز معاك..، “انزل فتح الكوفر..”، أسئلة تطرح وكأن السيارة كانت تحاول عبور حدود دولية، لا طريقا وطنيا مألوفا.!.

الركاب يلتفتون إلى بعضهم البعض في صمت، في محاولة جماعية لفهم التهمة، لا أحد يعرف لماذا هو هنا، لكنه هنا، فقط لأن الرقم قرر ذلك، أما السائق، فقد اعتاد الأمر، لدرجة أنه يخرج الوثائق قبل أن يطلب منه، ويوزع ابتسامة مصطنعة تقول: “نعم، عندي أ-47، أعرف… تفضلوا”.

المثير للاهتمام أن هذا الوضع لم يبق محصورا في الطريق، بل امتد ليؤثر على سلوك عدد من المواطنين، ففي الآونة الأخيرة، ولأن المواطن التاوناتي يتقن فن التكيف، فقد وجد الحل الذكي حيث أصبح بعض الراغبين في اقتناء سيارات جديدة يفضلون تسجيلها في مدن أخرى، عبر استخراج شهادات سكنى خارج إقليم تاونات، تفاديا لحمل لوحة “أ-47″، وهو سلوك يعكس حجم الانطباع السلبي المرتبط بهذه اللوحة، وتداعياته الاجتماعية غير المباشرة.

لا أحد يشكك في أهمية الأمن، ولا أحد يطلب إغلاق الحواجز، لكن يبدو أن “أ-47” تجاوزت مرحلة الاشتباه، الى مرحلة ثبوت التهم، أي تهمة، الشرطة و الدرك أعلم بعد الله..!

أمام هذا الواقع، يطرح الموضوع أكثر من تساؤل حول التوازن المطلوب بين اليقظة الأمنية المشروعة، واحترام مبدأ المساواة في المعاملة، فلا أحد يدعو إلى التساهل أو التغاضي، بقدر ما يطالب بأن يظل الاشتباه مرتبطا بالسلوك والمخالفة، لا بالترقيم والانتماء الجغرافي.

فلوحات الترقيم، مهما اختلفت، لا تجرم ولا تبرئ، والقيادة المسؤولة لا تقاس بترتيب الأرقام، بل بمدى احترام قانون السير، وإعادة الاعتبار لهذا المبدأ من شأنه أن يعزز ثقة المواطن، ويبقي الإجراءات الأمنية في إطارها الطبيعي، بعيدا عن أي تأويل أو إحساس بالتمييز.

تبقى لوحة أ-47، في نهاية المطاف، مجرد رقم إداري، لا أكثر، والرهان الحقيقي هو أن تعود الأرقام إلى حيادها، وأن يقاس السائق بما يفعل على الطريق، لا بما تحمله سيارته من حروف وأرقام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.