مناضلو الفيسبوك..
عادل عزيزي
هناك فصيلة جديدة ظهرت في المجتمع، لا هي من اليمين ولا من اليسار… إنها مخلوقات الفايسبوك النضالية التي لا تحتاج إلى حذاء ولا إلى شارع ولا حتى إلى موقف حقيقي، يكفيها هاتف ذكي، و”ويفي” مسروق من الجيران، لتبدأ نضالها الشرس على كل ما يتحرك، مناضل الواقع يعتقل ويحاكم، أما مناضل الفايسبوك فيختبئ في الحمام كي يكتب منشوره الناري دون أن يسمعه أحد في البيت.
“مناضل” الفايسبوك له قدرة خارقة، يستطيع الانتقال من مناضل يساري إلى إسلامي إلى قومي إلى وطني إلى محايد…، كل هذا في أسبوع واحد، اليوم يطالب بإسقاط الحكومة، وغدا يدعو للهدوء، وبعد غد ينشر صوره بأحد المتنزهات لأنه حس بالتعب بسبب النضال، أما صورة حسابه، غالبا ما تكون إما قناعا، أو حمل وديع..
ورغم أن عدد متابعيه لا يتجاوز عشرة أشخاص، بينهم ثلاث حسابات وهمية تعود له، إلا أنه مقتنع أن كلامه يهز العالم، وأن منشوره الأخير قد أحدث صدمة سياسية خطيرة، وأن الأجهزة الآن بصدد تحليل خطورته…!، في الحقيقة، الجهاز الوحيد الذي يهتم به هو هاتفه حين يسخن من كثرة الصراخ الافتراضي.
وتجد الواحد منهم يعتبر نفسه قائدا ثوريا يتبعه الآلاف، بينما قائمة متابعيه تضم ثلاثة أصدقاء من العائلة، وخمسة حسابات وهمية، وبقية “الجيمات” تأتي بالصدفة من أشخاص مروا في الخطأ على منشوره، ومع ذلك، يكتب بثقة مدهشة، “لن نتراجع… سنواصل”، وهو في الحقيقة يقصد أنه سيواصل التدوين ما دام الهاتف لم تنقضي بطاريته بعد.
أبطال الفيس بوك ومناضلوه لا يملكون إلا “الصراخ على الفايس” ومع ذلك يرهقونك وهم يتبعونك في الطالعة والنازلة في كيف تناضل.. وكيف تحرر أوطانا.. وكيف تحارب فسادا.. وكيف تصنع مجدا.. وكيف تحافظ على وجدان الأمة..؟ ويقترحون عليك مليون اقتراح وحين تأخذ واحدا من اقتراحاتهم تجدهم أول من يتخلى عنك، وأول من يطعنك وأول من يضع لك عصي الغياب في دواليب الحضور..!
مناضلو الفيسبوك الذين يشبعونك لطما يرفضون أن تشاركهم لطمهم.. يرفضون أن تراهم وهم يناضلون.. عليك فقط أن تتعامل معهم كأشباح تستقبل ما يصدر منهم وعنهم دون أن تراهم بالعين المجردة..!
أبطال الوهم؛ من نفخة واحدة يسقطون.. من امتحان ظهور يتيم يقعون ويختفون.. يخافون من الريح.. يخافون من الأرصفة والشوارع.. تتراقص فرائصهم إن سمعوا صوت حنفية ماء.. إنهم لا يملكون إلا الثرثرة وبطولاتهم خريطة طريق إلى العدم..!
مناضلو الفيسبوك عدوهم الواقع ولا يستطيعون العيش إلا بافتراض العيش فقط.. اتركوهم وراء ظهوركم فهم غبار معركة سرعان ما يتلاشون..!
وفي النهاية، يبقى مناضلو الفايسبوك ظاهرة فريدة تستحق الدراسة، لأنهم نجحوا في اختراع شكل جديد من النضال، ثورة تمارس بالأصابع، وغضب يقاس بعدد الجيمات، وشجاعة تظهر فقط عندما يكون صاحب الحساب مجهولا..!
ولو لم أخش أن أُتهم بالكذب، لقلت إن هؤلاء المناضلين قادرون على إسقاط أي نظام… شرط أن يكون النظام هو نظام تشغيل الهاتف، وأن يسقط بسبب بطارية 2٪.