خطاب العرش 2026 … هل دخل المغرب مرحلة الدولة الاستراتيجية؟

0 1

من استمع إلى خطاب العرش لسنة 2026 بمنطق انتظار عتاب للحكومة أو إشادة بأدائها، فقد فاته جوهر الرسالة الملكية. فالخطاب لم يكن موجها لتقييم حصيلة ظرفية أو تقييم سياسي، بقدر ما رسم معالم رؤية استراتيجية لكيفية تدبير الدولة في عالم يعيد تشكيل موازين القوة والتحولات بوتيرة غير مسبوقة. لقد كان خطابا يؤسس لمنطق الدولة الاستراتيجية، بدل منطق الحكومة الظرفية.

وسط النقاش الذي انشغل بتأويل بعض العبارات، مرت رسالة جوهرية دون أن تنال ما تستحقه من التحليل، وهي تأكيد جلالة الملك أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، وأنها ثمرة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية. هذه ليست مجرد عبارة بروتوكولية، بل مفتاح لفهم فلسفة الحكم كما يرسمها دستور 2011.

لفصل 42 من الدستور يمنح الملك موقع رئيس الدولة، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والساهر على حسن سير المؤسسات الدستورية. أما الحكومة، بمقتضى الفصول المنظمة للسلطة التنفيذية، فتستمد مشروعيتها من صناديق الاقتراع، وتتولى تنفيذ السياسات العمومية وتدبير الشأن العام. وبين الوظيفتين فرق جوهري، الأولى تؤمن استمرارية الدولة، والثانية تدبر المرحلة السياسية.

من هنا، لا يبدو أن الخطاب كان بصدد تقييم أداء الحكومة الحالية أو التمهيد لتغييرها، بل كان يعيد التذكير بالفلسفة الدستورية التي تجعل الحكومات تتغير وفق الإرادة الشعبية، بينما تظل الاختيارات الاستراتيجية للدولة ثابتة ومستمرة. لذلك، فإن الخطاب لم يمنح الحكومة شهادة نجاح، كما لم يصدر بحقها حكما بالفشل، بل تجاوز هذا الجدل برمته، واضعا معيارا جديدا للمساءلة: الكفاءة في التنفيذ، بدل احتكار الإنجاز.

واللافت أن هذا الطرح يأتي في ظرفية دولية دقيقة. فالعالم يعيش تحولات جيوسياسية عميقة، حروب مفتوحة، واضطرابات في الاقتصاد العالمي، وتنافس محموم على الأمن الغذائي والمائي والطاقي، وعودة منطق السيادة الاقتصادية. وفي مثل هذه البيئة، لم تلتزم الدول بالحفاظ على استراتيجياتها الوطنية رغم تغير الأغلبية السياسية.

وهذا ما يفسر أن العديد من الديمقراطيات الكبرى أصبحت تميز بين سياسات الدولة وسياسات الحكومة. ففي فرنسا ظلت العقيدة الدفاعية والسياسات النووية مستقرة رغم تعاقب الرؤساء والحكومات. وفي إسبانيا لم تؤثر التغيرات الحكومية في الثوابت السيادية للدولة. وفي اليابان حافظت الدولة على خياراتها الصناعية لعقود رغم تغير الحكومات، لأن الاستراتيجية أصبحت ملكا للمؤسسات ولا تخضع للأغلبية السياسية.

ويبدو أن المغرب يتجه تدريجيا نحو هذا النموذج. فالأوراش المتعلقة بالأمن المائي، والطاقات المتجددة، والسيادة الصناعية، والبنيات التحتية، والاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030، لم تعد مشاريع حكومة، بل مشاريع دولة تتطلب استمرارية تتجاوز الولاية الانتخابية، وتحتاج إلى توافق مؤسساتي أكثر من حاجتها إلى تنافس حزبي.

ومن هنا، فإن القراءة التي تحصر خطاب العرش في كونه رسالة إلى الحكومة الحالية تبدو قاصرة. فالخطاب في تقديري المتواضع، كان موجها بالأساس إلى الحكومة التي ستفرزها الانتخابات المقبلة، وإلى الأحزاب التي ستتنافس على قيادتها. باعتبار أن التنافس الانتخابي حول من يمتلك الكفاءة والقدرة على تنزيل استراتيجية الدولة بفعالية.

إن المستجد الحقيقي في خطاب العرش لسنة 2026 لا يتمثل في الإعلان عن مشروع جديد، بل في ترسيخ مفهوم الدولة الاستراتيجية، دولة تحافظ على ثوابتها الكبرى، وتؤمن استمرارية خياراتها، بينما تتنافس الحكومات على جودة التنفيذ، لا على إعادة رسم وجهة المغرب.

ولعل هذه هي الرسالة التي بقيت بين السطور: إن المغرب لا يدخل مرحلة تلغى فيها السياسة، بل مرحلة تقاس فيها قيمة السياسة بقدرتها على خدمة الدولة، لا بتغيير اتجاهها. فالتحدي الحقيقي لم يعد من سيفوز في الانتخابات، وإنما من يستطيع أن يحول الرؤية الملكية، والإطار الدستوري، إلى سياسات عمومية ناجعة تستجيب لانتظارات المواطنين وتواكب التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

بقلم سفيان انجدادي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.