“أغدا ألقاك”.. تاونات الأغنية التي كانت تنتظر ملحنا يعيد لها الحياة

0 198

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

خواطر عادل عزيزي

وأنا أستمع إلى صوت أم كلثوم يتهادى في الفضاء كنسيم دافئ، تشدو، “أغدا ألقاك يا خوف فؤادي من غد”، شعرت أن الأغنية كتبت لتاونات دون أن تدري، المدينة التي اعتادت أن ترفع عينيها نحو الأفق كل صباح، كمن يسأل النهار، هل اقترب الغد أم لا يزال في الطريق؟
أحسست أن العنوان الذي غنته كوكب الشرق يشبه نبض هذه المدينة، كأن تاونات ذاتها تردده كل صباح بحرقة الشوق، “أغدا ألقاك”… كأنها تريد أن تقول للغد، تعال، فقد أتعبنا طول الانتظار.
لكن شيئا ما تغير…
كأن المدينة استيقظت في صباح مختلف، صباح فيه خفة جديدة، وفيه حركة تشبه ارتعاشة الربيع حين يتسلل إلى أغصان الزيتون.
مع قدوم العامل الجديد، بدأت تاونات تتحرك كأن أحدا أعاد تشغيل نبضها.
الطرقات التي كانت تئن صمتا، بدأت تهمس..
الملفات الثقيلة بدأت تفتح..
الأعمدة الإدارية التي اعتادت على السكون، بدأت تهتز بخطوات عمل حقيقي، لا بروتوكول أجوف..
صار أهل تاونات يشعرون بأن الزمن الذي كان يمشي هنا ببطء قاس.. بدأ يسرع قليلا، بدأ يتخلص من أثقاله، كأن المدينة التي كانت تنتظر الغد صارت تمشي نحوه بدل أن تنتظره.
تاونات بجبالها التي تقف كحراس قدامى، وسهولها التي تشبه صفحات كتاب أخضر  لم تعد مجرد لوحة طبيعية ساحرة، بل صارت ورشا للحياة.
في القرى، يرفع الناس رؤوسهم ويتساءلون، هل تبدأ الحكاية من جديد؟
هل يمكن أن يتحول الحلم الذي سئم الانتظار إلى واقع؟
إن الحركية التي يشهدها الإقليم ليست مجرد تحرك إداري، بل خفقة قلب جماعية..
خفقات تشعر بها حين تمر في الأسواق، حين تجلس مع المزارعين، حين تسمع حديث الشباب الذين بدأوا يحلمون من جديد..
كل شيء هنا يهمس بأن موسما جديدا يوشك أن يبدأ، موسما يشبه لحظة قبل نزول المطر، حين تتعطر الأرض وتتهيأ للخصب..
تاونات…
مدينة لا تعرف الشيخوخة.
تستحم كل صباح بندى الفجر، تمد جسدها للضوء، وتفرد ثوبها المزركش بالتين والزيتون.
مدينة فيها شيء من كبرياء الجبال، وشيء من حنان الوديان، وشيء من حنان أم كلثوم وهي تغني من صميم القلب، ” أغدا القاك”.
واليوم، وهي ترى الحركة تدب في مفاصلها، تبتسم المدينة كعروس أخيرا سمع أحدهم صمتها..
تاونات تعرف أنها تستحق أكثر…
مدارس تليق بأطفالها..
طرقات تحترم مسافريها..
مستشفيات تحفظ كرامة مرضاها.. ومشاريع تنقذ شبابها من الهجرة والضياع..
ومع هذا النفس الجديد، لم تعد المدينة تردد الأغنية بنفس الألم القديم، صارت تقول، “أغدًا ألقاك”..
لكن ليس على سبيل الوجع…
بل على سبيل اليقين.
تاونات اليوم، بفضل هذه الدينامية الجديدة، تشعر بأن الغد لم يعد وعدا معلقا… بل موعدا يقترب..
موعدا تستعد له الأرض والأشجار والناس.
سيدتي تاونات…
هذا ليس مقالا للعتب، بل للامتنان..
فالذي يحدث اليوم ليس معجزة، لكنه بداية إصغاء…
إصغاء لما ظللت تقولينه منذ زمن طويل..
وحتى يكتمل الغد…
ستبقى تغني بصوتها الملائكي،
“أغدا ألقاك… وإن طال اللقاء”
لكن هذه المرة، سيكون اللقاء أقرب، وأبهى، وأصدق مما توقعت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.