الصور التي غيرت ملامح الغضب بالشارع 

0 543

عادل عزيزي

ترددت كثيرا قبل الكتابة عن “احتجاجات جيل Z”، لأن ما يحدث في شوارع المغرب منذ أسابيع يتجاوز الوصف العابر أو التحليل التقليدي، لسنا أمام موجة غضب عابرة، بل أمام حراك شبابي يعيد رسم علاقة الدولة بجيل جديد ولد في العصر الرقمي، جيل لا يخضع لقواعد اللعبة القديمة، ولا ينتظر وسطاء ليعبر عن نفسه.

الكتابة عن هذا الجيل تعني محاولة فهم طاقة جديدة، غير متوقعة وملهمة في الوقت نفسه، جيل لا يقبل التراجع، ولا يعرف حدود الضغط على واقع يرفضه، جيل قرر أن يترك بصمته في التاريخ بسلميته ووعيه ومطالبه المشروعة.

في أيام قليلة، خرج آلاف الشباب في مختلف المدن المغربية، رافعين شعارات الغضب والأمل، مطالبين بالكرامة والعدالة الاجتماعية، بإصلاح التعليم والصحة، وبمحاربة الفساد وغلاء المعيشة.

جيل لا ينتمي إلى أي حزب، ولا يثق في لغة الخشب التي لازمت الحكومة الحالية منذ تعيينها، لكنه يعرف بدقة ما يريده، وطنا عادلا ينصف أبناءه.

خريف 2025 جاء مختلفا؛ فقد امتلأت الشوارع بشبابٍ لا يطالب بإسقاط النظام، ولا يرفع شعارات عدائية للدولة، بل يوجه نقده الواضح إلى الحكومة وسياساتها، مطالبا بإقالتها أو استقالتها.

كانت الاحتجاجات في معظمها سلمية، لكنها لم تخل من بعض المشاهد المؤسفة من تخريب وإحراق واعتداءاتٍ طالت الممتلكات العامة والخاصة، وهي تصرفات محدودة لكنها استغلت لتشويه صورة الحراك وتبرير المقاربة الأمنية.

غير أن وسط ضجيج الغضب، برز مشهد مغاير أعاد التوازن إلى الصورة، شباب من جيل Z في الرباط، أكادير، تطوان  الدار البيضاء، طنجة وغيرها، خرجوا لا ليهتفوا، بل ليقدموا الورود لعناصر القوات العمومية.

مشهد بسيط في ظاهره، لكنه عميق في رمزيته، وردة واحدة، حملت أكثر مما تستطيع عشرات البيانات الرسمية أن تعبر عنه، كانت تلك الورود رسالة سياسية بليغة، نحن نحتج، نعم، لكننا لسنا أعداء الدولة، نغضب، لكننا لا نحقد، نطالب، لكننا نحافظ على الوطن الذي نحبه.

تقديم الورود في لحظة احتقان ليس فعلا عاطفيا، بل موقف وطني راق، جيل Z الذي قاد الاحتجاجات يدرك أن الأمن ليس خصما، بل شريك في حماية الوطن، وأن السلمية ليست ضعفا، بل أعلى درجات النضج السياسي والاجتماعي.

بهذا الفعل الرمزي، وجه هذا الجيل صفعة أخلاقية لمن أراد أن يجعل الحراك عنوانا للفوضى، وأثبت أن الوعي أقوى من التحريض.

لقد عبر جيل Z بوضوح أنه لا يسعى إلى الصدام، بل إلى الاعتراف، لا يريد إسقاط المؤسسات، بل إصلاحها، ولا يسعى للهدم، بل لإعادة البناء على أساس جديد من الثقة المتبادلة.

فمطالبه بسيطة وعادلة، تعليم عمومي يليق بالمواطن، صحة تحفظ الكرامة، وفرص عمل تفتح أبواب الأمل، وحكومة صادقة لا تبيع الأوهام على الشاشات وتسرقها في الواقع.

إن الغضب، في عمقه، ليس ضد الدولة، بل ضد سياسات الحكومة التي أفسدت الثقة بين الدولة وشبابها، هؤلاء لا يريدون القطيعة، بل يريدون أن يصغى إليهم كجيل مسؤول ومشارك في صناعة الغد.

إنها لحظة مغربية نادرة تذكر بأن في هذا الوطن جيلا لا يريد أن يهدم الجسور، بل أن يعبرها نحو مستقبل أكثر عدلا وكرامة.

وفي نهاية المشهد، تبقى الوردة أقوى من الحجر، لأنها لا تلقى لتكسر، بل لتزرع، وربما كانت تلك الوردة التي وضعت في يد رجل أمن في الشارع، هي بذرة الوعي الجديد الذي سيصالح الغضب بالدولة، ويعيد للوطن شبابه، و يؤكد معنى الاستثناء المغربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.