انه زمن الفواحش السياسية!
بوناصر المصطفى
طغت حتى طفت ظواهر الفساد على جدران صفحات المواقع الإعلامية الكترونية وإعلام البديل، فبات المواطن يسبح ويلوك في هذه المواضيع لدرجة التطبع مع قيم سلوكيات كانت لاتزال مرفوضة أخلاقيا واجتماعيا.
لم يكن تعامل الإعلام وطرحه لهذه القضايا بالموقف الحاسم بل كان أحيانا شادا، لكونه بقي في موقف الناقل للخبر لكونه لم يستوف شروط المهنية والمعالجة بالحرفية والعمق المطلوبين؟
فهل هو موقف رفض لتجنب تصادم سلط معنوية ورمزية؟
أم انتهازية مقيتة وتعامل باحتياط لمداراة متورطين من طينة مختارة من اغهل السلطة والنفوذ؟ والذين سقطوا في حاميها حراميها؟
من المعلوم أن وظيفة الإعلام اقترنت دائما بمطارحة مواضيع تلامس قضايا القرب وهذا ما يلزمه النبش في عناوين أخذت حيزا هاما من انشغالات المواطن اليومية، في حين لم يخل أي يوم من أخبار فضائح وقضايا انحراف أو شطط في استعمال السلط، أو تبذير مال عام أو تضلع في رشاوي مفضوحة؟
فهل نتحرك لنحمي هدا الوطن أم نكتفي في وضع المتفرج؟
ما ينقصنا ليس تصعيد لغة التنديد والشجب أو تغيير القوانين هي الإرادة السياسية بدون شك لرصد فعال ومساءلة إجرائية مباشرة لكل آليات الرقابة قديمة والمستحدثة كالنيابة العامة والمجلس الأعلى للحسابات وتخطي الإجراءات الطويلة الامد، للتصدي لهذا الوباء اللعين، لكون القانون يخول للمؤسسات المتدخلة إمكانية تحريك الدعوى العمومية بناء على شبهة، هذا دون إغفال دور الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني النزهاء في تحريك وتبني هذه القضايا ومسألة آليات الرقابة الأخرى لوقف هذا النزيف الحاد.
والحالة هذه امتدت مساحة الفساد حتى أضحت مغرية في مؤسسات لها حرمتها كبعض مؤسسات حاميها حراميها بالمتاجرة في الإعلام واقترانها بتهم الابتزاز والقضاء وارتباطه بالسمسرة والرشوة وافشاء السر المهني ففاضت تقارير المجلس الأعلى للحسابات بملفات مطروحة أعاقت تفعيل المحاسبة والمتابعة.
تجمد فعل الرقابة بغياب الضمير المهني تعزز بفوضى تدبير المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، فتحول الفساد إلى كرة ثلج كلما تدحرجت كبر قطرها، مما كان له تأثير على القرارات العبثية وبالتالي تحولت الآفة إلى آلة سهلة ووسيلة لتحقيق الغنى وتحقيق الأهداف بالرغم من استنزاف للضغوط الاجتماعية وحالات سياسية معزولة لم تنجح في فرملة هذه الآفة.
لذلك، الحل أصبح مكلفا زمنيا بحيث يبقى الرهان على التربية والتعليم والثقافة الدور الوازن في إعادة تشكيل هذه القيم وتدويرها لدى الساكنة، لأن آفة الفساد نشطت إلى درجة التنميط وتقبلها المجتمع برحابة صدر مما حفز على انتشارها، لكن التركيز على ترسيخ النزاهة والشفافية بالتعليم والتثقيف، فقد يساهم على الأقل في الحد من منسوب الفساد أو فرملته.
صحيح أن حالات الفقر قد تؤدي إلى البحث عن ايغة سبل لتحقيق المال بمنطق الماكيافلية المقيتة وهذه قاعدة لدى بعض عديمي الضمير الذين اقتنعوا بضرب القيم واستغلال الإنسان، إلا أن هدا لا يبرر اعتبار السلطة النفوذ مطية لاستثمار النفوذ وتحقيق المكاسب وجسر لعبور وانتشار المحسوبية و الوساطة والرشوة ..
إن قضية الفساد تظل تعكس أزمة قيم والتي تتفاوت حسب المجتمعات بحيث تطلب منا ضرورة تحديد المسؤوليات والحسم فيها بدون رحمة أو تبرير بصفتها جرائم متعمدة فكثيرة هي الدول التي نجحت في استئصال هدا الوباء الخبيث.
نعم، هناك دول جديرة بالاقتداء نجحت وبحزم في الحد من مستوى الفساد في مؤسساتها. إذ تربعت الدنمارك على عرش الدول الأكثر نزاهة في العالم، واحتلت المرتبة الأولى في تصنيف الشفافية الدولية لعام 2020، إذ يعود نجاحها هذا إلى تبنيها لمبادئ الحكم الرشيد والشفافية في الإدارة، وتطبيقها لنظام قانوني صارم لمكافحة الفساد.
تأتي في المرتبة الثانية دولة فنلندا بتطبيقها لنظام نظام حكومي ديمقراطي صارم فعال وشفاف لمكافحة الفساد.
أما سنغافورة جاءت في المرتبة الثالثة. نجاح سنغافورة في الحد من الفساد بتبني أساليب حديثة في الحكم والإدارة، واعتماد نظام صارم خاص لمكافحة الفساد.
أما نيوزيلندا والسويد فيعتبران كذلك من الدول الأكثر شفافية ونزاهة في العالم إذ احتلتا مراتب متقدمة في تصنيف مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2021، بتطبيق نظاما قانونيا صارما لمكافحة الفساد.
#بالرجوع إلى نظرية جنوسية الدماغ لميليسا هاينز فهل العقل العربي متجانس مع الفساد؟
#متى نتقمص العدالة كتربية وسلوك عوض شعارات للاستهلاك الإعلامي؟